كيف أنت إذا اكتشفت حقيقتي؟

صورتي
جعفر الجمري
أنا صرخة غريبٍ ما عرف ترنيمة الراحه، وأنا نار القصيد اللي تحطّم قيدها بقيود
عرض الوضع الكامل الخاص بي

12 مارس, 2009

مشيخة القبيلة العالمية




مسرحية "حيرة السجين"، لأحد كبار دعاة المسرح السياسي منذ العام 1968، البريطاني، ديفيد إدغار، تطرح قضايا القبلية العالمية، وتدور حول دبلوماسي فنلندي قام بدور حاسم في مفاوضات السلام بين "الإرهابيين" و"مضطهدي" جمهورية سوفياتية سابقة وهمية، يناضل مسلموها من أجل الاستقلال. المسرحية سبقت صدمة العالم بـ 11 سبتمبر/ أيلول 2001.
مفهوم "القبلية العالمية" قبل 11 سبتمبر، كان حاضراً وماثلاً؛ لكنه من دون شك أصبح أكثر عمقاً، وذهبت به المذاهب في الرؤية والتفسير والنظر، وخصوصاً بعد انتهاء الحرب الباردة؛ بهيمنة قطب واحد وظَّف تلك الهيمنة لإحداث تقسيم معمَّق عماده الفرْز في حقيقة ذلك المفهوم. تقسيم قائم على: مع/ضد، فالـ "مع" تُدخل أي قبيلة في العالم، وإن كانت في المجاهل من الحدود والأثر والدور، في عملية مصاهرة مع قبيلة وإن كانت على النقيض من تلك المجاهل والحدود والأثر والدور؛ إذ تلتقي – ولو ظاهرياً – المستنقعات المليئة بالكوليرا في دول العالم الثالث بـ "سكوير غاردن"، والشوارع المليئة بالشحاذين والمخمورين والمشردين، بوسطاء "وول ستريت"، والذين يتلقون تعليمهم البدائي في ظل شجرة "غاف" في معسكر على حدود ما من العالم، مع الذين يتلقون تعليمهم على مقاعد الدراسة في جامعات: "هارفارد"، برنستون"، "يال"، "MIT"، "كولومبيا"، "أكسفورد"، "كامبريدج" و"السوربون". أقول ظاهرياً ضمن التوصيف النفعي لـ "مع"، تلتقي تلك القبائل ما دامت تصبُّ في هدف إخصاع العالم بقبائله إلى قبيلة القطب الواحد وإرادته وأهدافه ومراميه.
الخبرة المحدودة للولايات المتحدة الأميركية في التعامل مع الإرهاب في الداخل، من المفترض بها أن تمنح الساسة الأميركيين وحتى المحللين والباحثين وخبراء الإستراتيجيا، فرصة الانتباه إلى أن الخبرة المحدودة تلك، على رغم تماسك البنية الداخلية (ظاهرياً) وتنوعها، بتعدُّد الأعراق، وتعامل الدولة معه ضمن مظلة المواطنة احتكاماً إلى الدستور، فرصة للانتباه إلى أن تعدُّداً في القبلية تلك طال الداخل الأميركي. تعدُّداً بالتباين في الاستقبال والإرسال؛ وبالتالي ثمة رد فعل متربص في الخارج بالداخل الأميركي بحكم ميراث وتركة ضخمة من الاستبداد الكوني الممنهج الذي مارسته أميركا على امتداد الكوكب، سيأتي يوم دفع استحقاقها طال الزمن أم قصر! رد فعل سيكون عنواناً عريضاً سيتم إعادة صوغه وتسويقه إلى العالم باعتباره "إرهاباً" سيطال "القبلية العالمية"، ولن يقتصر على أميركا وحدها. هكذا تم تصوير الأمر – ولا يزال – في مفارقة عجيبة تسعى من جهة إلى تقسيم الدول/ السياسات إلى قبائل، وفي الوقت نفسه، محاولة احتواء واستقطاب قبائل (سياسات) العالم، وإدخالها ضمن منظومة قبلية عالمية تتولى أميركا مشيختها العامة.

05 مارس, 2009

غبْطةُ الساقي



لغتان وامرأةٌ
ونورسُ غفلةٍ...
كُنَّا معاً...
حاولتُ كمْ حاولتُ...
في فمها نبيذٌ فارعٌ
وفمي سرابُ...
سأمرُّ... ما اسْطَعْتُ الوصولَ
كأنَّ في الصَلْصَال أسمائي وأشكالي
كأنِّي بعْضُ جَدْبِ اللهِ
والنُّعْمَى خَرَابُ...
وكأنَّني زِنجٌ تَبَاهوْا بالمغيب
لكي يُوَارُوا ليلَهم!
وكأنَّني عُشْبٌ غَريبٌ
كاد ذاكَ النهرُ أنْ ينسَى أُبوَّتَه
ليبتدأَ العَذَابُ...
حطَ البَنفْسَجُ...
حطَ في روحي سحابُ...
لم أعِ الصلواتِ من حولي
ولمْ أعبأ بقُدَّاسِ النُّعَاس وغفلتي
نصفين كنْتُ:
إلى الدمِ الوحْشي والماءِ المقيمِ
كأنني ذَهَبٌ ... غيابُ...
في الماء أسماءُ العذابِ
وغبطةُ الساقي
أرى في الماءِ أسماءَ العذابِ:
النزْح... لوْح القبضِ
ميقات الذهولِ
أساور من نار
إيذانٌ بفصلٍ ما
إذا ما العشْبُ في لمعانِهِ
يبكي شتاءً مَرَّ
من لغةِ الأغاني...
واليمامُ يُرتبُ الأفلاكَ من حَوْلي
بنفْسَجةً و"سوْسنةً" على شبحِ المكانِ...
قيامةٌ ... وصدىً من الزيتون
في حقلي البعيد...
أعيدُ ترتيبَ "الصدى"
فيطلُّ "صوتٌ" مائل لهبائه...
أستدرجُ الدنيا وأمضي نحو مملكتي...
هناك هناك إذ لا شئ
إلا فكرة وعراء روحي...
أستدرجُ الدنيا
لينهمر الخرابُ على صروحي...
وقتان في ندَمي:
بعيدٌ ها أراه
وآخرٌ في القلب مني لا يراني...
بين التعثُّرِ بالقرونِ
وبين حشرجة الثواني...

منظومة القسْر


الذين يريدون للشاعر، والقاص، والروائي، والفنان التشكيلي، والموسيقي، والكاتب، والإنسان عموماً أن يهتم بنصه وفضاء لونه ورؤيته، وخبزه اليومي، من دون الالتفات إلى ما يحدث في المحيط الذي يشتغل فيه على ذلك النص واللون والرؤية والخبز، إنما يسعون إلى تعقيمه. فصل أي من أولئك عن حقيقة المكان/الفضاء وتفاصيله، والشروط التي تحدد التحرك فيه، هو محاولة ساذجة ومكشوفة، ودعوة صريحة لإخضاع ذلك النص واللون والرؤية والرغيف والإنسان عموماً لمنظومة القسْر التي تحدِّد لون وطعم ورائحة ذلك المكان، لون وطعم ورائحة الشرط.
في منظومة القسْر تلك يتكشَّف يوماً بعد يوم، كم تسعى تلك المنظومة إلى إدخال الوعي والإدراك، وما يصدر عنهما في مِلاكها وملكيتها، وتجييرهما في سبيل توسُّع تلك المنظومة وامتدادها وهيمنتها، ومن ثم الهيمنة على الواقع وتصييره وتوجيهه بما يخدمها ويكرِّس تلك الهيمنة وإحلالها كواقع ماثل.
وعلى رغم أن "السلطة تنتج الواقع، ثم تعمد إلى قمع ذلك الواقع"؛ إلا أنها لا تكفُّ عن تلك المحاولة. محاولة تطوير منظومة القسْر تلك والإنفاق عليها ببذخ بالغ، وإن افتقر واقع البشر إلى الضروري من حاجاته وحقوقه والنزر اليسير من كل ما يدل على آدميته وإنسانيته. مثل ذلك التوجُّه يكشف عن وهمين: وهم قدرة تلك المنظومة على التأصيل للواقع تبعاً لحاجاتها، وضرورة بقائها بحُزَم من الإكراهات، ووهم أن مثل ذلك التأصيل والتراكم في الإكراهات سيخلق واقعاً غير قابل للتغيير والمساءلة، ومن ثم الثبات وإكسابه الشرعنة.
كل منظومات القسْر التي قامت واندثرت في الدنيا، متتبعة هاجسها وحسها ونواياها الأمنية، لم يقدَّر لها أن تترك أثراً في تاريخ الإنجاز البشري. لا منظومة قسرية/أمنية في العالم تركتْ أو خلقت منعطفاً مصيرياً لصالح شعوبها، عدا الحديث عن غيرها من شعوب الأرض، مهما امتلكت من قوة وبسطة ونفوذ؛ لأن الممارسات تلك تصطدم اصطداماً مباشراً مع الفطرة الإنسانية، وتعمل عملها في الاستفزاز والتمرُّد، على رغم ضعف الإمكانات والقدرات؛ إلا أنها تظل قادرة في منعطفها الخاص والحاسم أن تحيل تلك المنظومات إلى متاحف التاريخ مفتوحة على اللعنة وسوء الصيت.

04 مارس, 2009

المرآة ولعنة الفيزياء




لست أعرف كيف لا يرتبك رجل/امرأة حين يفاجأ بأن المرآة ليست في مكانها الذي اعتاده!. عدم الارتباك يكشف عن بلادة حد المرض، وفي درجاته الحرجة. اختفاء المرآة من مكانها الذي اعتاده أي واحد منا بمثابة اختفاء ملامحه ذات وقت! أن لا تتأكد من ملامحك كل صباح، على رغم يقينك أن شيئا من تلك الملامح لم يمسسه أي تغيير، يكشف عن سهو فادح، لن تلحظه،ولكن الآخرين سيتكفلون بذلك التشفّيّ.
كل من يغادر بيته قبل المرور على ذلك الإطار، لا شك يعاني من خلل ما!.
***
لم تكن علاقة الانسان الأول بالمرآة الأولى على وفاق واطمئنان. ظلت الصورة الأخرى على صفحة المياه – باعتبارها مرآة أولى – مخلوقا غؤيبا وضربا من السحر، على رغم تطابق الملامح. كان الإنسان الأول يرى في صورته شيطانا ورمزا للسحر. لكأن بداية العلاقة مع انعكاس الصورة الأول تشي بسحر ما. قبلها كان الظل جزءا من مرآة مع فارق لا ينسى، ذلك التطاول والامتداد، حتى لذوي القامات القصيرة.
بين الظل والمرآة علاقة تطور واكتشاف، ففيما الظل يأخذ دور التهويل في صفة القامة والحجم، تأخذ المرآة جانبا من الواقعية والتفصيل لا خيانة أو تهويل فيه.

***
وفيما الظل في اكتشاف وملاحظة أولى يمثل تابعا غير مرغوب فيه، بل ومخلوقا يسعى للنيل من صاحبه، ظلت المرآة بدءا بصورتها الأولى في الماء أكثر قبولا وألفة، لم تثر صورة الرجل الأول في الماء خوفا حد تجنب تكرار المحاولة،والوقوف على الاكتشاف، فيما الظل استمر بسمعته السيئة ردحا من الزمن.
حتى اليوم، يظل الطفل متوجسا من ملاحقة ظله له، ولكنه أمام المرآة يكتشف حضوره، يحاول الامساك بصورة الانعكاس الرابضة في الاطار. يطلق قهقهات لا حد لها، لكنه مع الظل يستمر في حال من الدوران الذي لا ينتهي إلا بتداعيهِ في محاولة للإمساك بشبح لن يطاله.
***
واحدة من الحروب الكبير بالنسبة الى عدد كبير من النساء، يكمن في مصادرة المرايا من أمكنة تكتظ بهن. راقب الطريقة التي تتعامل بها الواحدة منهن إزاء ورطة كتلك. نساء كثيرات، وندرة في المرايا، تعني اللجوء الى العتمة في محاولة لاستخلاص انعكاس منها، فقط لتفقّد الملامح ولا شئ آخر. والزمن بالنسبة للمرأة أكثر حضورا وحساسية فيما يتعلق بسنّها وما يرتبط بذلك السن من تفاصيل.
أمكنة من دون مرايا بالنسبة للمرأة – أي امرأة – هي بمثابة جحيم من نوع آخر، أو محاولة أخرى لإرسالها الى حتف لم يحن بعد.
***
اختفت المرآة فجأة، لأكتشف انها تهشمت لأسباب تتعلق بالفيزياء. ولأنني لم أحب الفيزياء منذ علاقتي الأولى بها، تأكد لديّ انها عدوانية أكثر مما تعلمناه من دقتها وثباتها. اكتشفت انْ لا دقة ولا ثبات للفيزياء، بدليل أن المرآة اختفت من دون أن أكون مجبرا على الاقتناع بذلك التبرير الذي يتلخص في: انفجار انبوبتي غاز قبل اسبوعين بعد صلاة الفجر مباشرة. ولهول انفجارهما كاد السقف أن يطبق على الأرض، ولم تجد الفيزياء غير المرآة كي تتركها "صرحا من خيال فهوى".
بعد الظهر، تولي وجهك شطر الجهة التي تظل متيقنا من انها هناك في مكانها، لتفقّد ملامحك قبل أن تغادر لمزاولة شقاء يومي. المرآة ليست في مكانها. ذلك يعني انك لست موجودا. لا شئ يدل على امكان تقبّل الآخرين في الشارع لملامحك التي لم تعرف عنها شيئا بعد دوي الفجر.

"اللغة تكاد تموت كل يوم"



اللغة تقدمنا الى الناس قبل أسمائنا... نتكلم أمام بشر نلتقي بهم للمرة الأولى وكأننا نحمل إليهم أسماءنا وتواريخنا لمجرد أن نتكلم... يكوّنون صورة مقرّبة عنا ويختزلون في ذاكرتهم تاريخا مرتبطا بنا من دون أن يعرفونا... من دون ان نلتقي بهم قبل هذه اللحظة.
لذلك تحضر مقولة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: المرء مخبوء تحت لسانه، لا تحت طيلسانه. إذ لا تقدمنا ملابسنا أو عطورنا أو ماركات الساعات التي تزيّن معاصمنا أو السيارات الفارهة، فما يقدمنا الى الناس وبصورتنا الحقيقية وبلا رتوش أو إضافات أو مساحيق، هي اللغة التي نتواصل بها مع البشر من حولنا، وليست اللغة من حيث هي نظام إشارات أو إتصال مرتبط بالرمز أو الأبجدية، بقدر ما هو نظام اتصال في اختزال ما نريد قوله في أقل قدر من الكلام وأعمقه. هي في استشراف اللغة لمستويات ما يدور من حوار ضروري وملحّ مما يجب أن يحضر ويسود ويقال.
وحين تتحول اللغة الى ستعراض في العلاقات يسهم صاحبها من حيث يريد أولا يريد في تأكيد طغيان القشر وتغييب العمق/اللب/الجوهر... فالعلاقات لا تحتمل أي نوع من أنواع التصنّع والإستعراض... هي تقوم وتثبت وتتعزّز وتخلد بمزيد من العفوية والصدق والفطرة، من دون خلوّها من عمق.
السياسيون يحتكمون الى لغة التبرير والنفي، وبما يعزّز ويكرّس ما يتطلعون اليه من أهداف، وبعض الدينيين الموتورين من حركة الحياة وانفلاتها يحتكمون الى لغة يعتقدون أنها ستعيد نصاب ذلك الانفلات الى حال من التوازن... والعبثيون يتركون اللغة في مهب من المتاهات واللاجهات ... والوجوديون يعزفون على وتر "محورية الانسان في هذا الوجود" بغض النظر عن طبيعة السلوك الذي يخرج به الى العالم الذي يحياه، فيما واقع عربي منهار يتعاطى مع اللغة باعتبارها واحدا من الخلاصات التي دائما ما تغيب.
هل هو تماما ما رمى اليه حائز نوبل للآداب العام 1998، البرتغالي خوزيه سارماغو، حين أشار الى "ان اللغة تكاد تموت كل يوم؟". ولا يحدث ذلك إلا بتقديمها على انها تمثلنا... تمثل صورتنا... أسماءنا... وربما تاريخنا، فيما هي على النقيض من ذلك.