
بالنسبة الى دوائر القرار السياسي في أميركا، للدخول في لعبة "صنع المستقبل"، لا بد من الرجوع الى "ماضيك"، إذ سيحدد الشكل والصورة التي ستكون عليها في تعاطيك مع ملفات وأزمات وقضايا المستقبل.
ليس من مصلحة أحد في أميركا أن لا يُلتفت الى ماضي المراد لهم أن يشاركوا في اتخاذ القرار، أو على الأقل المساهمة في صنعه.
فيلم The Contender للكاتب والمخرج رود لورييه يذهب ضمن هذا الإتجاه وبمعالجة وحبكة تدفع المشاهد ومنذ بداية الفيلم الى الدخول في لعبة تخمين يخسر فيها الكثير مما يعتقد أنه أمسك بخيوطها، اذ يطوّح بها المخرج جانبا تاركاً لكل شخصية من شخصيات الفيلم الذي لعب أدواره الرئيسية كل من جيف بريدج، في دور الرئيس الأميركي، عن الحزب الديمقراطي ، جاكسون ايفانز، وجوان ألين في دور السيناتور عن أوهايو، والمرشحة لمنصب نائب الرئيس،لاين هانسون وغاري أولدمان في دور عضو الكونغرس،شيلدون رونيون، وكريستيان سلاتر في دور عضو الكونغرس،وسام إليوت في دور كبير موظفي البيت الأبيض، ووليام بيترسون والذي يلعب دور حاكم احدى الولايات.
بداية الطريق لاختيار نائب الرئيس
الفيلم يبدأ بعد ثلاثة أسابيع من موت نائب الرئيس الأميركي في مكتبه، ولا يتم في الفيلم تقديم أي شئ عنه، إلا باعتبار منصبه الذي تدور حوادث الفيلم في إطاره.
ثمة خياران أمام الرئيس: الأول أن يختم فترة ولايته في البيت الأبيض بقرار يعزز مكانته وحضوره في التاريخ الأميركي بالإقدام على اختيار امرأة نائبا له، ليسجل له أنه أول من أقدم على هذه الخطوة. أما الخيار الثاني فصنعت حضوره وشعبيته (الصدفة) – هكذا يسعى المخرج للإيحاء الى الجمهور – وهو حاكم إحدى الولايات،جاك هاثاواى، والذي يلعب دوره وليام بيترسون، والذي تقوده (الصدفة) إلى إنقاذ امرأة سقطت بسيارتها في أحد الأنهار، في الوقت الذي كان فيه الحاكم يمارس هواية الصيد، إلا ان محاولته تبوء بالفشل، وعلى الرغم من النتيجة إلا أن الحاكم هاثاواى يحظى بشعبية كبيرة من قبل الشعب الأميركي لموقفه البطولي ذاك، أو هكذا يحاول الكاتب والمخرج لورييه ايهامنا به، اذ ستتضح مفاجآت قبل أن تصل الحوادث الى ذروتها النهائية.
يتم استدعاء هاثاواى الى البيت الأبيض، وقد وضع في حسبانه انه خيار الرئيس ايفانز من دون أن يداخله شك بأن الأمور ستنقلب رأسا على عقب، وهو ما يحدث تماما، حين يفاجأ بالرئيس يطلب منه التنازل عن منصب نائب الرئيس ، لأنه عقد العزم على ترشيح السيناتور هانسون لتولي المنصب في توجه أشرنا اليه بداية هذه المراجعة.
في المقابل يتم استدعاء السيناتور هانسن لذات الهدف، ولكن بعد أن وقع الإختيار الرئيس عليها.
ربما ما لم يلحظه معظم المشاهدين، أن المخرج تعمّد ولأكثر من مرة تكرار طلب الرئيس الأميركي من ضيوفه مشاركته في إحدى الوجبات باتصاله في كل مشهد من تلك المشاهد برئيس الطباخين لاعبا على تنويعة من الوجبات التي تتم تلبيتها من دون أي تردد وفي أوقات متأخرة من الليل، ما يقودنا مع استمرار تداعيات وحوادث الفيلم الى استيعاب تلك الثيمة التي حاول المخرج تمريرها في مفاصل ومشاهد محددة في موضوعها وحتى أهدافها.
الحكم القيمي على المرأة
الموضوعة الرئيسية التي يسعى الفيلم الى معالجتها تكاد تكون شبيهة في بعض تداعياتها في الجانب الفضائحي منها بتداعيات الفضائح الجنسية التي تورط فيها الرئيس الأميركي بيل كلينتون مع لوينسكي، ويحاول كاتب الفيلم ومخرجه تشخيص الحكم القيمي لغالبية المجتمع الأميركي بمحافظيه وليبرالييه وحتى أولئك الذين لا يضعون للأخلاق أي وزن يذكر، وهي موضوعة تشير بإصبع الإتهام الى حال من التمييز يمارس على المرأة، وخصوصا اذا ما قدّر لها أن تكون ضمن دائرة القرار السياسي، ويكشف تاريخها عن حال من التورط الأخلاقي المرتبط بالجنس بالدرجة الأولى،فتثير حالا من استدعاء المحافظة المسكوت عنها أو المؤجلة لدى قطاعات عريضة في المجتمع الأميركي، فيما التورط الأخلاقي نفسه من قبل الرجل سيجد له من المبررات والمسوغات ما يتيح له النفاذ بجلده.
مع قبول السناتور هانسون لترشحها لمنصب نائب الرئيس تبدأ الدوائر المعارضة متمثلة في عضو الكونغرس كأكثر جهة عملت بكل قوة للحيلولة من دون أن يصل الرئيس الى مبتغاه لأكثر من سبب أولها أنه رونيون خسر جولة الانتخابات مع الرئيس ما أفقده المنصب من جهة وأوصل (ايفانز) الى البيت الأبيض، ومن جهة أخرى يمثل رونيون وجها من الوجوه المحافظة التي قدمها مخرج الفيلم في صورة السياسي غير الجذاب والذي سرب نصف الحقيقة الى الصحافة ووسائل الإعلام من خلال صورة فاضحة تعود الى سنوات يوم أن كانت السيناتور هانسون طالبة في الجامعة، الصور تبرزها في مشاهد جنسية شاذة يقوم رونيون بتسريبها ونشرها على شبكة المعلومات.
هانسون التي قضت 10 سنوات كسيناتور عن اوهايو، والتي تتكئ على تقاليد في السياسة من خلال عمل والدها حاكما لإحدى الولايات، تلعب الدور الأكبر والرئيسي في الفيلم من خلال تحكمها الصعب في عدد من الإنفعالات وتحت ضغوط لا طاقة لكثيرين بها، فبعد أن يتم ترشيحها للمنصب لا بد من مصادقة لجنة الكونغرس عليه ويترأس اللجنة (رونيون)، وعلى الرغم من أن الصور التي وقعت في يده تصل الى السيناتور هانسون إلا انها تبدو للوهلة الأولى قادرة على التحكم في انفعالاتها، ومصرة على متابعة الطريق التي أرادت سلوكها.
تعقد اللجنة مع التحشيد الذي تم التأكد من حضوره لممارسة مزيد من الضغط، مع ثقة تبدوا فائضة في أن التصديق لن يرى طريقه الى النور، اتكاء على تقاليد شريحة من المجتمع الأميركي الذي يمثل الثرمومتر الذي يحدد درجة حرارة التعاطي مع القضايا الملحة والمصيرية في أحيان كثيرة. ما يفاجأ المشاهد أن هانسون تلتزم الصمت ومن دون تعليق في إصرار على أن ما حدث هو أمر شخصي. وأثناء أدائها القسم أمام لجنة التصديق على تعيينها، لا ينسى عضو الكونغرس كريستيان سلاتر من تذكير الحضور بمقتطفات من تصريح لها تعترف فيه بأنها لا تؤمن بالله أو الكنيسة، في إشارة الى أن أداءها القسم لا يعني بالضرورة أنها ستقول الحقيقة.
المكارثية الجديدة
غاري أولدمان أو ( شيلدون رونيون) جسد شخصيته بتميز ملفت وآسر، وأداء يكشف عن امكانات كبيرة لهذا الممثل الذي يمكنه لعب أدوار صعبة تشخّص جوانب نفسية تستعصي على عدد كبير من الممثلين، وفي الدور مثل رونيون في جانب من مواقفه حالا مكارثية جديدة ظلت ملعونة ومسخوطا عليها من قبل الشعب الأميركي، والتي عملت وقتها على الحد من مكتسبات الديمقراطية والحرية، وقامت بإحصاء أنفاس شريحة كبيرة من السياسيين والسينمائيين والمثقفين، الذين لم يعرفوا حقبة مظلمة في تاريخ أميركا كتلك التي عاشوها ايام هيمنة مكارثي. المكارثية الجديدة تمثلت في الطريقة التي تعامل بها (رونيون) مع ملف السيناتور هانسون، والتأليب والتحشيد الذي مارسه في سبيل منعها من الوصول الى المنصب، وبطرق لم تخل من التواء.
مع تعدد جلسات لجنة التصديق يبدو للمشاهد أن النهاية المحتومة ستكون بتواري هانسون عن الأنظار، وأن رونيون هو قاب قوس أو أدنى من جني ثمار تحشيده وتأليبه، إلا أن التداعيات تقودنا الى النقيض من ذلك، على الرغم من إعلان هانسون انسحابها من الترشح والإكتفاء بالسنوات المتبقية لها كنائب عن أوهايو. ما يقود تلك التداعيات الى النتيجة التي يتحصل عليها الرئيس الأميركي هو الرصد والتكثيف المضاد على الجهة الأخر لحاكم الولاية ووليام بيترسون ، ومن خلال تقارير مكتب التحقيقات الفيدرالي، يتم استدعاؤه، بعد أن تكون حظوظ ترشحه للمنصب باتت لا تقبل الجدل، الا ان المفاجأة أن الرئيس يكشف من خلال (طبخة) تم اعدادها بشكل جيد عن أن المرأة التي سقطت بسيارتها في النهر وسعى لإنقاذها ما هي إلا ضحية طمع وجشع الحاكم للوصول الى المنصب، اذ كشفت تحقيقات المكتب عن إيداع مبلغ في حسابها المصرفي لتقوم بذلك الدور بالإتفاق مع الحاكم ليقوم بإنقاذها في الوقت المناسب، ولكن تجري رياح القدر بما لا تشتهيه سفن الحاكم، بعجزه – أو تعمده – عن انقاذها، فتتم ازالة واحدة من العقبات أمام الرئيس خصوصا وأن رونيون وأعضاء لجنة التصديق كانت أكثر ميلا لترشح بيترسون للمنصب.
أكثر مشاهد الفيلم صدقا وعاطفية، هو مشهد الرئيس وهو يلقي كلمته أمام الكونغرس الأميركي الذي دعاه للإنعقاد، إذ بدت كلماته نارية أعطى أداؤه لها بعدا دراميا عميقا، استطاع من خلاله أن يحوز على تعاطف ومن ثم موافقة اللجنة على ترشيح هانسون.
ما يميز الفيلم، انه يقوم بدوره بشجاعة ملحوظة من خلال لعب أدوار مباشرة وواضحة لا لبس فيها ولا تغميض في تعاطيه مع قواعد اللعبة السياسية في الداخل الأميركي. ويسعى فيلم The Contender أن نؤمن بضرورة أن تأخذ السياسة موقفا كهذا من القضايا التي ما زالت محل خلاف وتردد في التعاطي معها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق