كيف أنت إذا اكتشفت حقيقتي؟

صورتي
أنا صرخة غريبٍ ما عرف ترنيمة الراحه، وأنا نار القصيد اللي تحطّم قيدها بقيود

الاثنين، 29 سبتمبر 2008

ابراهيم العريض.. ظلال السيرة والصورة



ترجمته لـ " للرباعيات " بين أهم الترجمات في مكتبة الكونغرس الأميركي
اقتنص والده ... اللؤلؤ ... فاقتنص الفتى درر البلاغة
قدر هذه الأرض أن تنجب كبارا ... كبارا بالنظر اليهم في عيون الآخرين ... الآخرين الذين مافتئوا يجوسون خلال التاريخ والجغرافيا والناس ... الناس بهجراتهم واستقرارهم ... بألفتهم والفقدانات التي يحصونها مع كل صباح جديد ... يحصون الكثير من الأمل ، ويتغاضون عن الكثير من اليأس المختبئ هناك في ثنايا المحاولات ، وصنع الباهر من المواقف والتي تجعل بشرا كثيرين يمارسون انحناءاتهم لهم وباعتزاز كبير ، إذ لا ينال ذلك منهم شيئا طالما سجلوا اعترافا سبقته الحجة والصنيع المبهر والبلاغة التي كانت مفتاحا لتنظيم ذهنيات الناس وإيقاع الدنيا.
وشاعر البحرين والعروبة الكبير ابراهيم العريض ، واحد ممن نالهم قسط وافر من الإقرار لهم بتاريخ من الفرادة وإتيان ما يشبه المعجز ، فتى أول ما أبصره اليتم ، وهو الفقدان الأول والجارح ... الجارح بالنظر الى واقعين ... واقعه الخاص وهو يفاجئ بغياب دفء الأمومة ، وحضور دفء آخر بديل سرعان ما سرى في جسد الفتى النحيل والفارع ... وواقع عام فرضه الحضور في جغرافيا لا بد أن تكون طارئة " الهند " حيث امتهن والده تجارة اللؤلؤ ، وتبرز هنا طبيعة إدهاش من نوع آخر ، ففي حين قدر لوالده أن يقتنص الدرر لتزين بها النساء نحورهن ، قدّر للفتى النحيل أن يُدّخر لزمن يقتنص فيه درر البلاغة ... البلاغة التي قلما عنها مع بدء الشروع في ظلال السيرة والصورة ، انها مفتاح لتنظيم ذهنيات الناس وايقاع الدنيا ، وفي المهنتين لابد من خوض بحار ، في الأولى تمتد من الخليج وهو محط أنظار الدنيا لموهبة يقتنص بها الرجال " السمر " درر وبياض القيعان ، إلى بحار الهند وغيرها من بحار العالم ، وفي الثانية بحار لا تقل أهوالا وأنواء عن الأولى ... بحار سيقدر للفتى المصاب – وأستدرك – بفقدانين لا واحد ... فقدان الأم ، والنأي عن الوطن الجذر ، نقول سيقدر للفتى أن يخوض بحارا ويأبى ذلك القدر الا أن تبدأ من بحر هو من طبيعة وطنه وجذره وامتداده ... بحر وطن نأى عنه ، ليعود اليه الفتى محملا بلغة يعلم علم اليقين انها لن تظل الشاهد الأول على حضوره الفريد والمتميز ، لينكب الفتى بعد عودته الى البحرين في العام 1922 وهو في الرابعة عشرة من عمره ومن خلال الشهور الثمانية التي مكثها ، على التعرف على اللغة التي سينطلق منها لتدشين مشروعه وصرحه الشعري ، فكانت بوابته الأولى للولوج على واحد من المشروعات التنويرية في المنطقة عموما والبحرين خصوصا " المدرسة الخليفية " ، ليعود أدراجه الى الهند ، ويبرز في العودة اضطراب ... اضطراب النأي عن احساسه بعمق امتداده وانتمائه للأرض التي برحها ، فيما هو يغترف من واحدة من أخصب وأعمق واثرى ثقافات الدنيا " الهند " بكل تاريخها الطويل وامتدادها الحضاري العالمي العريض وتناقضاتها التي تبعث على الغرابة والدهشة.
بعد أربع سنوات قضاها في التحصيل والدراسة ، حيث بلغ الثامنة عشرة من عمره وكان ذلك في العام 1926 عاد ثانية الى البحرين لينكب على دراسة اللغة العربية وآدابها ورجالاتها الكبار ، ليثمر ذلك الانكباب عن عدد كبير من القصائد التي ضمنها مجموعته الشعرية الأولى " الذكرى " ، حيث تمت طباعتها في بغداد في العام 1931 .
أتاحث الثقافة الهندية لشاعر البحرين الكبير فضاء رحبا جال به في الأعمال الكبرى والملاحم وثراء الأسطورة المذهل ، ليشكل كل ذلك انعطافا جادا وجديدا في بنية وتأسيس المثقف العربي في منطقة الخليج والتي كانت وقتها تفتقد إلى الأسماء الفاعلة والمؤثرة والمربكة للكثير من محدودية وفقر المشروعات الأدبية والابداعية – هذا في حال وجودها أساسا – وكأن الرجل بذلك الانفتاح على عصب وجزء هام وحيوي في بنية الثقافة العالمية يستدرك مافاته من خلال علاقته المتأخرة مع لغته وثقافته الأم ، سعيا وراء الإتيان بالمغاير والخوض في أساليب تعبيرية جديدة سيكون رائدها بامتياز في منطقة الخليج العربي ليمتد ذلك التأثير والحضور والريادة ليشمل الوطن العربي الكبير.
وتتتالى مؤلفاته فيصدر مسرحيته الأولى والرائدة " وامعتصماه " ومن ثم مجموعاته الشعرية " العرائس " " شموع " " أرض الشهداء " ، وهي ملحمة شعرية حول مأساة فلسطين و " قبلتان " وهي قصة شعرية اندلسية و " رباعيات الخيام " وتعد واحدة من أهم الترجمات المعتمدة عالميا ، وتحتفظ مكتبة الكونغرس الأميركي بنسخة منها جنبا الى جنب الترجمات الأخرى ، وقد اتبه العريض ترجمته للرباعيات ، كتابه " المختار من الشعر العربي الحديث " وكشف ذلك عن حس فني ونقدي رفيع.
الا ان الملفت في الأمر بل والمعجز أن يتوغل الشاعر الراحل وبعمق في اللغة العربية واساليبها وفنونها وهو في الرابعة عشرة من عمره ، بعد أن ترك الهند وفي فترات تقطعة ، ونحن نعلم ان التعلم في سن كالتي كان عليها العريض يعد أمرا محفوفا باحتمالات النجاح والفشل ، على مستوى تعلم الساسيات من اللغة والضروري منها كيما يستعيد الإنسان لغته دونما اعتوار أوخلل ينتابها على مستوى النطق في أقل تقدير ... فكيف هو الحال إذا ما توغل وضلع في أسرارها ممسكا بمفاتيحها ومن ثم اتيانه بالمدهش والمغاير بل والإتيان بما يعد تاسيسا وريادة على من سبقه وجايله ؟ ... تلك مسألة لا بد أن تكون موضع اهتمام وبحث من قبل الدارسين والمتتبعين لمسار تجربة وآثار شاعرنا الراحل.
على ان وجها آخر من ذلك الإدهاش الذي خلفه وخلقه العريض لدى قرائه ومتتبعيه وتلامذته بل ومعاصريه ، جمعه واجادته لعدد من اللغات الحية والمؤثرة في مسار الأدب العالمي ، كالانجليزية والأوردية والفارسية اضافة الى اللغة العربية ، وهي اجادة على مستوى القراءة والتحدث ومن ثم اختياراته الموفقة وترجماته الرائدة والرصينة عنها .
على ان تتبع التأثير الذى خلقه العريض في مسار الأساليب الشعرية الرومانسية هو الآخر بحاجة كبيرة الى مزيد من الفحص والتأمل والمتابعة ... جنبا الى جنب مع تجارب عاصرته كتجربة الشاعر عبدالرحمن المعاودة ورضي الموسوي والشاعر الشيخ أحمد بن محمد آل خليفة ... وهو جانب أزعم ان اهمالا كبيرا طاله او اقتصر على عدد من الدراسات التي لم تكن محيطة بعمق بتجربة الشاعر الراحل.. خصوصا اذا ما أخذنا بعين الإعتبار امتداد ذلك التأثير ضمن دائرة عربية كبرى حظي فيها العريض بحضور كبير واعجاب ملحوظ ... وشهرة تجاوز بها النطاق العربي الى النطاق العالمي من خلال ترجمته للرباعيات
.

ليست هناك تعليقات: