كيف أنت إذا اكتشفت حقيقتي؟

صورتي
أنا صرخة غريبٍ ما عرف ترنيمة الراحه، وأنا نار القصيد اللي تحطّم قيدها بقيود

الاثنين، 29 سبتمبر 2008

أحمد زكي والتكثيف في تسمية الخلل




الكاميرا... السينما ابنة الواقع... وليس شرطا أن تكون ابنة بارّة بالعوالم والأشخاص والقضايا والثيمات التي تشكّل عالمها، وامتدادها وحضورها. ابنة للواقع هي، مع نيّتها الدائمة والمتحركة في الخروج على زوايا وأمكنة ذلك الواقع، ومثل ذلك الخروج هو الذي يمنحها تلك القدرة التخيلية العالية، والدخول العميق في مساحات تبدو العين المجردة إزاءها ضربا من الوجوم والنظر الى اللا شئ.
في ذكرى رحيل الممثل السينمائي العربي أحمد زكي، تحتاج الى الوقوف على تلك
المقولة بشئ من التجرد والصدق لسببين: أن الواقع أثناء حياته وبعدها، لم يخل من محاولة تكريس فهم ونظر غبيين له، باعتباره تفاصيل ودقائق اللحظة والحركة والسرد وحتى المواقف، وفي ذلك تسطيح صارخ. فقط تابعوا عددا من أعمال زكي، ستجدون أنه كثيرا ما خرج على ذلك الفهم الجاهز والغبي والنمطي، اذ ما الذي تقدّمه السينما لحظتها في حال أتت بالواقع نفسه وألبسته بهرجها وغمرته بأضوائها، وأدخلته حيزها وأمكنتها، وعمدت الى حشر كل حركته وتفاصيله في الخارج، في زوايا ترتئيها هي، من دون استنطاق له أو محاولة هز لمفاصله؟. والثاني، أن السينما نفسها كانت بمعزل حقيقي عما يوسّع مشكلاتها وجبهاتها في عملية تعرية ذلك الواقع وإرجاعه، والعمل على مزيد من تأزيمه، اذ كل عمل ابداعي خلاق هو في نهاية المطاف مشروع أزمة، أو مشروع استيلاد أزمة، ومثل ذلك الاستيلاد يعمل عمله في النظر بعمق وفاعلية في حقيقة وطبيعة المشكلات التي تكتنف الواقع وتضج به. فيما السوق التي تتحرك من خلالها مجمل الأعمال ظلت – ولا زالت – أسيرة – تراكم في قبضة الرقابة الرسمية من جهة، وقبضة الرقابات المجتمعية من جهة ثانية، ورقابة استقرت كان طرفها الآطراف المنتجة لتلك الأعمال من جهة ثالثة.
لم يك أحمد زكي ممسكا بكل أطراف العملية الانتاجية، الأمر الذي لم يقل أحد ببراءته من بعض التواطؤ مع أطراف لا تعني لها مسألة تجاوز مشكلات الواقع المراد الاشتغال عليه، بمزيد من تأزيمه، بمعنى وضع مشكلاته ضمن أطرها وحقيقتها وحجومها، ومن ثم العمل على تفكيكها. زكي - في بعض أعماله - كان بعيدا عن اشتراطات المعادلة التي تتطلبها سينما موغلة بعمق في الصدام والمواجهة مع طبيعة المشكلات تلك وتراكمها في اتجاهين: عمودي، وأفقي، وظل جزء كبير من الأعمال والأدوار التي أداها تنزع بشكل واضح الى تبني الأعمال والأدوار التي تسلط الضوء على تلك المشكلات ، أو تفضحها في جانب تراكمها العمودي، بحكم أنها تتوجه بكلية أطرافها الى عدم الانفصال عن واقع سوق لن تنتظر طويلا، ولن تؤجل ممارستها في سبيل أن تبرز على السطح أعمال على تلك الشاكلة. على أن جانبا آخر من أعمال وأدوار زكي ظلت منحازة وبامتياز الى الوجه الآخر في معالجاتها للمشكلات في جانبها الأفقي، اذ التكثيف، والثيمات، والعمق ، ومحاولة التصريح بما لا يمكن التلميح به ، وتسمية الخلل، والإصرار على أن تكون سبابة الاتهام مشرعة وواضحة في نبشها وكشفها لمواطن الفساد ومكامنه.

التخبط كنظام حياة!




احتكار الحقيقة: واحد من ملامح العار الكبير الذي يلحق بشريحة عريضة من العرب والمسلمين اليوم. واحتكار الحقيقة يعني فيما يعني تحويلها الى وقف وحصر في أمة دون غيرها. وفي الصورة ما هو أكبر. ثمة احتكارات، يلعب فيها الفرد الدور الأكبر، تمهيدا لمأْسستها، ودخولها مرحلة اليقين النهائي الذي تكرسه مؤسسات يتداخل فيها الديني و الفكري و الأمني!.
على هذا المستوى، تنظر الى اضطراب التفسير على مستوى الديني والفكري، وحتى الأمني، وهو اضطراب يكشف عن خلل بيّن وظاهر ينتاب حال النفسية التي تقف وراء هكذا وهم... وهم بحجم الفراغ الذي تعيشه، على مستوى مشاريع الأفراد وكذلك المؤسسات.
وبالنظر الى المنجز اليوم – اذا كان ثمة من منجز – تتضح حقيقة الانفصال الكبير بين امتلاك حقيقة ما... وبين ادّعائها على مستويين... ادّعاء حضورها، وتوهم احتكارها، وبالتالي يمكن القول أن ما ينتج عن تلك الحقيقة هو محض توهّم على أكثر من صعيد، بما في ذلك المنجز المتوهم.
الركون الى حال من اليقين شبه المطلق لا ينتج معرفة مستندة الى أسسها ومنابعها، ومن ثم امكانات انتاجها، بقدر ما ينتج معرفة مستندة الى النقل بإطلاقه، وهو نقل ليس بالضرورة أن يكون محصورا في الديني ، بقدر ما انه في لحظات غفلة بالجملة يمتد ليشمل ما عداه ، خصوصا في ظل الافتقار الى الفكر القادر على المساءلة، والمدرب على ملكة الإصغاء والحوار.
وعودة الى احتكار الحقيقة – عربيا – يتم تمثل وجوه ومشاهد ومواطن من الخلل والاضطراب والتخبط الذي يكاد يتحول الى نظام حياة. فيما الحقيقة تنزع الى تثبيت حال من النظم والتأكيد عليها.

أحبّوا... فعمّروا في الحياة







الحب بصيرة لك ولو عُدِمتَ البصر، تظل على هدْيه تبصر ما لا يبصره أصحاب النظر، فيما هم مرضى السريرة والطوية. والحب مفتاح رئيس لأبواب تظل موصدة، وتظن أن رؤيتها مشرعة ضرب من "تهاويم"، وجنوح، وأحلام يقظة. وبالحب وحده، استطاع الأنبياء والمصلحون والأحرار أن يسقطوا كل ضراوة... ضراوة القتلة والجبابرة والأفاقين ومحترفي الخراب بنفح من نفحاته: كلمة طيبة لا تصدر إلا من ملئ بالطمأنينة والحب والأمل في أن تُرى الحياة بصورتها التي أرادها الله يوم أن تصدّى الإنسان لحمل أمانتها.
وحتى الذين يُظن أنهم خسروا معاركهم في طريق الله والإنسانية والعدل والخير، وهم يفيضون بالحب، انما يرسمون بما تركوا نهجا يضمن استمرارية الحياة، اذ برحيلهم استتبّت ضمانة حضور من يحمل غيضا من فيض حبهم، فيمشي به في الناس مواجهة وكسرا للنقيض له من الإحن والبغضاء والحقد الذي كتب الله أن يظل باقيا في نفوس بعض البشر ما بقي الليل والنهار، في موقف مباهلة القيم الرفيعة والنبيلة أمام الساقط والرخيص مما عداها من قيم.
***
لكأنه يأخذك بأجنحة لا حصر لها محلقا ولو كنت عاجزا عن الإيماء بيديك، لكأنه يصلك بكل ما هو عال وسام، بحيث تكون جزءا منه، وفيك بعض من صوره ومضامينه، ويتكشف لك المغيّب والموارى وما هو بموارى، انما وارته طبقة سميكة من معدن الشرور والنزوع الى كل ما يخرج الإنسان من طبيعته الإنسانية وينحرف به عن فطرته السليمة.
رؤية تستدعي رؤية، ذلك ما يمنحك إياه الحب، ... نفاذ لا يصمد أمامه المنطق المادي.
كان القطب الصوفي عمر السهرَوَرْدي في مجلسه فأنشد:
ما في الصحاب أخو وجْد تطارحه
إلا محبٌّ له في الركب محبوب
وكرره فلم يتأت له إكماله، فقام شاب وأنشد:
كأنما يوسفٌ في كل راحلة
له وفي كل بيت منه يعقوبُ
فصاح القطب، ونزل من على المنبر، وقصد الشاب فلم يجده، ووجد مكانه حفرة فيها دم!.
***
قصيرة هي الحياة حين نرهقها بالحقد والكراهية، وطويلة، رحبة معمّرة حين نتيح لها هواء وفضاء الغامر من صباحات الحب وضوئه ووضوئه. ومعمّرون أولئك الذين غادروا أمكنتهم والحياة، وقد اشاعوا في دنيا الناس بعضا مما جعلهم معمّرين في القلوب قبل الأمكنة، بما افاضو عليها من حب. ويظلون كبار أنفس... كبار مواقف... وكبار صنيع، قبل أن يكونوا كبار سنوات تساقطت من روزنامات حيواتهم، مثلا حاضرا يستعصي على النسيان مهما أوتي ذلك النسيان من مواهب.
***
"الحياة طلقة من ذهب" على حد تعبير الشاعر والروائي الكردي سليم بركات، ولن تكون كذلك ما لم يلي الطلقة تلك ما يدل على نفيس معدنها، وأصيل منبتها، ورحابة وطهر محتدها، بالخيّر من المعاني والمضامين التي يراكمها البشر في دنياهم وحيواتهم تلك، وكل خيّر هو بعض من أثر الحب ودالّ عليه.
***
الوفاء والإيثار بعض من صنيع الحب، ولا يتأتيان إلا بتمكنه وحضوره وشياعه في النفس بحيث يظلان سمة وملمحا لحقيقة بلوغه واستوائه واحاطته بصاحبه.
ذكر ابن أبي الأزهر، قال: حدّثني أبو سهل الرازي، عمّن حدّثه، عن الواقدي قال: كان لي صديقان، أحدهما هاشمي، وكنا كنفس واحدة، فنالتني ضيقة شديدة، وحضر العيد، فقالت امرأتي: أما نحن في أنفسنا فنصبر على البؤس والشدّة، وأما صبياننا هؤلاء فقد قطّعوا قلبي رحمة لهم، لأنهم يرون صبيان الجيران قد تزينوا في عيدهم وأصلحوا ثيابهم، وهم على هذه الحال من الثياب الرثة، فلو احتلت بشئ تصرفه في كسوتهم.
قال: فكتبت الى صديقي الهاشمي أسأله التوسعة عليّ لما حضر، فوجّه اليّ كيسا مختوما ذكر أن فيه ألف درهم، فما استقر قراري حتى كتب اليّ الصديق الآخر يشكو مثل ما شكوت الى صاحبي، فوجهت اليه الكيس بحاله.
وخرجت الى المسجد فأقمت فيه ليلي مستحييا من امرأتي، فلما دخلت عليها استحسنتْ ما كان مني، ولم تعنّفني عليه، فبينا أنا كذلك اذ وافى صديقي الهاشمي ومعه الكيس كهيئته، فقال لي: أصدقني عمّا فعلته فيما وجهت اليك، فعرّفته الخبر على وجهه.
فقال: انك وجهّت اليّ وما أملك على الأرض إلا ما بعثت به اليك، وكتبت الى صديقنا أسأله المواساة فوجّه بكيسي بخاتمي.
قال: فتواسينا الألف ثلاثا بعد أن أخرجنا الى المرأة قبل ذلك مائة درهم، ونمي الخبر الى المأمون، فدعاني فشرحت له الخبر، فأمر لنا بسبعة آلاف دينار، لكل واحد ألفا دينار، وللمرأة ألف دينار.
***
"جعلوا الحب أعمى، لأنّ له عينين أفضل من عيوننا"
جان جاك روسو
***
أول النص
يا ليتني أجمع قلوب الناس
أشباه والضد من ضده
واحبك بها بدون اقياس
لين العمر ينتهي حدّه
يا زين ما في البعاد اوناس
ان كان لي كفك تمدّه

نايف صقر

نرتدي العراء ريثما تجف أسمالنا على حبل الغسيل



للذاكرة حرمتها... وللذاكرة تحريضها وانتهاكها الفاضح في كثير من الأحيان ... انتهاكها الذي أدمنَتْه وتدمنه في دعوة مفتوحة لك للخروج عليها... على تعاليمها... وربما على سذاجتها التي تتعلم منها الكثير الكثير.
***
هل موجة أولى ورمل شاهد؟
ليدسّ هذا البحر
كل هباته في الموقد الحجريّ؟
في شُبّاك جارتنا السماءْ؟
لا ماء رغم الماءْ...
مَنْ سمّاكَ موهبة الصعود الى الحصى؟
***
بحر منطقة النعيم في الستينات من القرن الماضي لا يشبه أي بحر في الدنيا، قبل أن يتم استزراع اليابسة... قبل أن نصحو ذات عطلة صيفية على هدير الجرافات وهي تمعن خنقاً في الماء وخنقاً لنا. نحن الذين اعتدنا كل يوم جمعة على تحضير أنفسنا للتجمهر أمام السفن التي تم تدشينها باتجاه بحر سيصبح يوماً افتراضياً. مثلما يفترض أحدهم زوال اليابسة حين تكتم على أنفاسها الأبراج، يحق لنا نحن الذين لم نعرف جارا بكل تلك الرحابة والحفاوة (البحر) أن نفترض أنه سيدخل في المدى الإفتراضي المعد له سلفاً.
***
أواخر الستينات ... ظل المكان متشبثا بالحدود القصوى من براءته ... وظل الناس متشبثين أيضا باللاحدود من البراءة ... كانت هنالك ثوابت لم تستطع زحزحتها آلات الهدم القابضة على موهبة الخراب ... ذلك لا يعني ان الخراب لم يكن متشكلا وقتها ... غير ان الجهر بسريته يتطلب وقائع وتجارب مسبقة ينتجها بشر الوسط المكاني ... كان مجرد الهمس بتلك النية يعني اجتياحا وردما لمصادره والداعين اليه .
أول مشهد تأملي لي ولا أزال أحفظ تفاصيله ... مجموعة من الشرطة الإنجليزية والهندية كانت تتولى تنظيم الطرق والأزقة التي ستمر عبرها التظاهرة بالقرب من مدرسة السلمانية الابتدائية للبنين، وصولا الى مدرسة السلمانية للبنات ... لكن تأمل الموقف يومها يفتقد الى العمق ... ربما الى مدى الأفق الذي كان عليه الوعي وقتها ... وامتداد الأسطورة كي الغي " جريرة " الإعجاب برجال أمن يحرسون تظاهرة لا تعد بسفلتة الطرقات بقدر ما تعد بنهش ونبش الإسفلت بأظفارها الطويلة والمتسخة كي تنطلق ينابيع الحياة دون أن نعي أن الإسفلت " مشنقة للينابيع " ... حبل من القار يكمن في زقاق ... يصطاد شجرة أو نشيدا أو ربما مواسم حالمة بشهوة البرق وفكرة الأبد!.
إني لا أرى سبباً سوى
أن السماءَ تبرّجتْ في الغيب
وانثالتْ، فمرَّتْ كائنات الليل
***
الطريق إلى المدرسة محفوفة بالنعاس ... محفوف بسليقة النسيان وتأجيل الفرص ... لم نك نملك " دمى " في الزمن الذي تخلو إمكاناته من " الصفر " ... كانت الحجارة والسعف المحتضر ألعابا نشكلها كيفما نشاء ... نبتدع منها " خيولنا الوهمية " ... أما الحجارة " فرصاصنا الحتمي " ... الحتمي الجميل ... كنا نغتال في ذاكرتنا كل البشر الذين لم يمنحونا فرصة أوتبريرا يتيما كيما نحبهم كما نريد لا كما يريدون .
***
الطريق الى المدرسة جرح غائر بين حقول البراءة ومروج المعرفة ... نفترش الأرض ... نصغي إلى رجل يدّعي أنه يملك سحر أن يمنحنا ما ندافع به عن فكرة التمايز بيننا وبين ( عجول ) جارنا " عبدالله الماضي " بمنطقة النعيم ... اذ تعلف العجول ما يلقى اليها ونحن هنا نعلف " الحروف و الأرقام " ندخل برقاب طبيعية، ونخرج برقاب ليست لنا ... رقاب طويلة لكثرة تحديقنا في اللوح الأسود الذي سنخرب ليله ببياض آسر ولا نهائي !.
الطريق إلى المدرسة غموض يتخفى في شكل سياج خلف صحراء مفتوحة على " جنة المعرفة " ... الطريق إلى المدرسة ثراء من نوع آخر ... ثراء الجرأة على النهوض مبكرا وبملابس المدرسة...الطريق إلى المدرسة محفوفة بالوضوح ، بفاكهة البداية ... الطريق إلى المدرسة محفوفة بالأشجار ، بالقدر، بالحرية المؤجلة ، بأصوات العذاب المعرفي المفتوح على " شرفة الجغرافيا ومقصلة الوقت ...
***
ولم أزلْ... أنا لم أزلْ
أحنو على لغتي
كما يحنو الغريب على مداه
وحين لا أجد الكلام
أمدّ أقنعتي لتنساب المشاهد حرّة
كصهيل نصف الليل في ظل امرأهْ
***
كانت قرية بني جمرة بعد النزوح شبه القسري من منطقة النعيم، سقفا آخر للعالم. على الأقل عالمنا نحن. لا بحر هنا كما ألفناه. قيل لنا انه على بعد سهر. اكتشفنا أنه على سهو منا. كان رحبا ولكنه لم يكن أليفا على الإطلاق.
لأمي رائحة الصياغة الأولى لهذا العالم ، اذ كل شئ يدل على توغلنا في مسارب الحياة ، نرتدي العراء ريثما تجف أسمالنا على حبل الغسيل ، كثيرا ما كنا نراقب الثوب وهو يجف تحت شمس الجزيرة الحارقة ، هل راقب أحدكم ثوبه وهو يجف ؟ .
لأمي نكهة الوصول إلى قمة جبل ، اذ تكون في حيز تتوهم من خلاله أن الجبل هو قامتك الطبيعية ترى من خلاله الكائنات السفلية وقد مسخت إلى ميكروبات لا ترى بالعين المجردة. لأمي طعم المطر الذي انهمر ذات مساء ونحن " محشورين " في غرفة لا سقف لها ، يومها افتقدنا سقفين ... الأب ... وسقف البيت الذي لم يتح الموت لأبي فرصة كي ينجز وعده وليهزم المناخات التي انهمرت على رؤوسنا كطيور الأبابيل.
***
لرواقك الفضيّ
مازال المدى كالريش
هل شجراً مزاجياً
تسمّي خيمة البسطاء؟
حرفاً مائلاً للنهر؟
يا صخب الصعود الى المياه
هنا تركت براعم الفلوات
تقرأ ريحها شجراً وحُرَّاساً
تناهوا في قميص النوم
بعد تحية ستجئ أوسمتي
على بُسُطِ الغبارِ...
وأنا برغم برانس الديجور... "عاري"...

أبولوز و " ضجر الذئب "





يحملق في وجوه كأنها أكوام من غبار، فيما روحه تحلق باتجاه أمكنة لم تصلها ذاكرته بعد ، يترك المكان في عجلة من أمره ممنيا نفسه برؤية ذات الوجوه وقد تحولت إلى أكوام من دهشة ومعنى.
الذين عرفوا الشاعر الفلسطيني يوسف أبو لوز لابد انهم يحتفظون له بصور ومواقف خلفت خضّة ودهشة وإرباكا من الصعب أن ينمحي أو يزول مع مرور الوقت، فكما هو شاعر استثنائي هو كذلك إنسان استثنائي بفقره وعوزه وحبّه بل وحتى مزاجيته. والمزاجية هنا لا تمتد لتشمل رؤيته ومواقفه من البشر الذين يصافحهم أو يعانقهم، وكما أسرّ لي ( ان ذلك عنوانا وميثاقا غليظا ... حين أصافح أحدهم أو أعانقه فذلك يعني ذهابي معه الى مدى بعيد في الموقف والشرط الإنساني ). لذا تراه لا يتردد في الامتناع عن مصافحة أحدهم إذا ما اتضح له انه دخيل في المعنى على هذا الكائن وإنْ شابهه في المبنى .
أعود لأقول ... ان المزاجية لا تمتد لتشمل رؤيته ومواقفه من البشر ، بل تكاد تنحصر في تبرمه الطارئ أحيانا والدائم أحيانا أخرى من أمكنة تعتقد انه توحد بها لكثرة تردده عليها ، لينقلب عليها لاعنا ساخطا ، بعد أن يقسم بأغلظ الأيمان أن لا يعود اليها ( ذلك يعني أنه سيعود اليها ).
بين الأردن والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة ومرة أخرى إلى الأردن ثم الإمارات ، التقى بشرا ووجوها وحالات وأمكنة مثلت له رافدا ومخزونا ثرا استدعاه في عدد من نصوصه ومقالاته ، وظل وطنه ( فلسطين ) هو المحرك لمجمل نصوصه وإنْ لامسه ولوّح له من بعيد ... من أقاصي النص ، الا انه يظل هناك بكل فجائعه وأمله وانكساره وكذلك شموخه.
رائعتاه ... ( ضجر الذئب ) و ( مجرَّة القتلى ) من الأعمال التي أسهمت إسهاما كبيرا في تشكل وعيي الشعري ورفده بعدد لا حصر له من القيم النصية الإبداعية كما أزعم، وهي قيم تأتت من تجربة ثرية ورصينة تمتع بها أبو لوز، واستطاع عدد من الأصوات الشعرية الشابة في الإمارات منتصف الثمانينات أن ينهل منها ويوظفها توظيفا واعيا في عدد من نصوصه.
يظل ( صعلوكا ) بامتياز عبر رفضه الواعي والمسئول لكل أشكال الهيمنة والاحتواء ، وعبر اتخاذه نهجا غير مألوف في تعاطيه مع البشر ، وفي نظره للعملية الإبداعية ، وفي تقديره المربك والمختلف لقضايا أخلاقية مرتبطة بتلك العملية .

ابراهيم العريض.. ظلال السيرة والصورة



ترجمته لـ " للرباعيات " بين أهم الترجمات في مكتبة الكونغرس الأميركي
اقتنص والده ... اللؤلؤ ... فاقتنص الفتى درر البلاغة
قدر هذه الأرض أن تنجب كبارا ... كبارا بالنظر اليهم في عيون الآخرين ... الآخرين الذين مافتئوا يجوسون خلال التاريخ والجغرافيا والناس ... الناس بهجراتهم واستقرارهم ... بألفتهم والفقدانات التي يحصونها مع كل صباح جديد ... يحصون الكثير من الأمل ، ويتغاضون عن الكثير من اليأس المختبئ هناك في ثنايا المحاولات ، وصنع الباهر من المواقف والتي تجعل بشرا كثيرين يمارسون انحناءاتهم لهم وباعتزاز كبير ، إذ لا ينال ذلك منهم شيئا طالما سجلوا اعترافا سبقته الحجة والصنيع المبهر والبلاغة التي كانت مفتاحا لتنظيم ذهنيات الناس وإيقاع الدنيا.
وشاعر البحرين والعروبة الكبير ابراهيم العريض ، واحد ممن نالهم قسط وافر من الإقرار لهم بتاريخ من الفرادة وإتيان ما يشبه المعجز ، فتى أول ما أبصره اليتم ، وهو الفقدان الأول والجارح ... الجارح بالنظر الى واقعين ... واقعه الخاص وهو يفاجئ بغياب دفء الأمومة ، وحضور دفء آخر بديل سرعان ما سرى في جسد الفتى النحيل والفارع ... وواقع عام فرضه الحضور في جغرافيا لا بد أن تكون طارئة " الهند " حيث امتهن والده تجارة اللؤلؤ ، وتبرز هنا طبيعة إدهاش من نوع آخر ، ففي حين قدر لوالده أن يقتنص الدرر لتزين بها النساء نحورهن ، قدّر للفتى النحيل أن يُدّخر لزمن يقتنص فيه درر البلاغة ... البلاغة التي قلما عنها مع بدء الشروع في ظلال السيرة والصورة ، انها مفتاح لتنظيم ذهنيات الناس وايقاع الدنيا ، وفي المهنتين لابد من خوض بحار ، في الأولى تمتد من الخليج وهو محط أنظار الدنيا لموهبة يقتنص بها الرجال " السمر " درر وبياض القيعان ، إلى بحار الهند وغيرها من بحار العالم ، وفي الثانية بحار لا تقل أهوالا وأنواء عن الأولى ... بحار سيقدر للفتى المصاب – وأستدرك – بفقدانين لا واحد ... فقدان الأم ، والنأي عن الوطن الجذر ، نقول سيقدر للفتى أن يخوض بحارا ويأبى ذلك القدر الا أن تبدأ من بحر هو من طبيعة وطنه وجذره وامتداده ... بحر وطن نأى عنه ، ليعود اليه الفتى محملا بلغة يعلم علم اليقين انها لن تظل الشاهد الأول على حضوره الفريد والمتميز ، لينكب الفتى بعد عودته الى البحرين في العام 1922 وهو في الرابعة عشرة من عمره ومن خلال الشهور الثمانية التي مكثها ، على التعرف على اللغة التي سينطلق منها لتدشين مشروعه وصرحه الشعري ، فكانت بوابته الأولى للولوج على واحد من المشروعات التنويرية في المنطقة عموما والبحرين خصوصا " المدرسة الخليفية " ، ليعود أدراجه الى الهند ، ويبرز في العودة اضطراب ... اضطراب النأي عن احساسه بعمق امتداده وانتمائه للأرض التي برحها ، فيما هو يغترف من واحدة من أخصب وأعمق واثرى ثقافات الدنيا " الهند " بكل تاريخها الطويل وامتدادها الحضاري العالمي العريض وتناقضاتها التي تبعث على الغرابة والدهشة.
بعد أربع سنوات قضاها في التحصيل والدراسة ، حيث بلغ الثامنة عشرة من عمره وكان ذلك في العام 1926 عاد ثانية الى البحرين لينكب على دراسة اللغة العربية وآدابها ورجالاتها الكبار ، ليثمر ذلك الانكباب عن عدد كبير من القصائد التي ضمنها مجموعته الشعرية الأولى " الذكرى " ، حيث تمت طباعتها في بغداد في العام 1931 .
أتاحث الثقافة الهندية لشاعر البحرين الكبير فضاء رحبا جال به في الأعمال الكبرى والملاحم وثراء الأسطورة المذهل ، ليشكل كل ذلك انعطافا جادا وجديدا في بنية وتأسيس المثقف العربي في منطقة الخليج والتي كانت وقتها تفتقد إلى الأسماء الفاعلة والمؤثرة والمربكة للكثير من محدودية وفقر المشروعات الأدبية والابداعية – هذا في حال وجودها أساسا – وكأن الرجل بذلك الانفتاح على عصب وجزء هام وحيوي في بنية الثقافة العالمية يستدرك مافاته من خلال علاقته المتأخرة مع لغته وثقافته الأم ، سعيا وراء الإتيان بالمغاير والخوض في أساليب تعبيرية جديدة سيكون رائدها بامتياز في منطقة الخليج العربي ليمتد ذلك التأثير والحضور والريادة ليشمل الوطن العربي الكبير.
وتتتالى مؤلفاته فيصدر مسرحيته الأولى والرائدة " وامعتصماه " ومن ثم مجموعاته الشعرية " العرائس " " شموع " " أرض الشهداء " ، وهي ملحمة شعرية حول مأساة فلسطين و " قبلتان " وهي قصة شعرية اندلسية و " رباعيات الخيام " وتعد واحدة من أهم الترجمات المعتمدة عالميا ، وتحتفظ مكتبة الكونغرس الأميركي بنسخة منها جنبا الى جنب الترجمات الأخرى ، وقد اتبه العريض ترجمته للرباعيات ، كتابه " المختار من الشعر العربي الحديث " وكشف ذلك عن حس فني ونقدي رفيع.
الا ان الملفت في الأمر بل والمعجز أن يتوغل الشاعر الراحل وبعمق في اللغة العربية واساليبها وفنونها وهو في الرابعة عشرة من عمره ، بعد أن ترك الهند وفي فترات تقطعة ، ونحن نعلم ان التعلم في سن كالتي كان عليها العريض يعد أمرا محفوفا باحتمالات النجاح والفشل ، على مستوى تعلم الساسيات من اللغة والضروري منها كيما يستعيد الإنسان لغته دونما اعتوار أوخلل ينتابها على مستوى النطق في أقل تقدير ... فكيف هو الحال إذا ما توغل وضلع في أسرارها ممسكا بمفاتيحها ومن ثم اتيانه بالمدهش والمغاير بل والإتيان بما يعد تاسيسا وريادة على من سبقه وجايله ؟ ... تلك مسألة لا بد أن تكون موضع اهتمام وبحث من قبل الدارسين والمتتبعين لمسار تجربة وآثار شاعرنا الراحل.
على ان وجها آخر من ذلك الإدهاش الذي خلفه وخلقه العريض لدى قرائه ومتتبعيه وتلامذته بل ومعاصريه ، جمعه واجادته لعدد من اللغات الحية والمؤثرة في مسار الأدب العالمي ، كالانجليزية والأوردية والفارسية اضافة الى اللغة العربية ، وهي اجادة على مستوى القراءة والتحدث ومن ثم اختياراته الموفقة وترجماته الرائدة والرصينة عنها .
على ان تتبع التأثير الذى خلقه العريض في مسار الأساليب الشعرية الرومانسية هو الآخر بحاجة كبيرة الى مزيد من الفحص والتأمل والمتابعة ... جنبا الى جنب مع تجارب عاصرته كتجربة الشاعر عبدالرحمن المعاودة ورضي الموسوي والشاعر الشيخ أحمد بن محمد آل خليفة ... وهو جانب أزعم ان اهمالا كبيرا طاله او اقتصر على عدد من الدراسات التي لم تكن محيطة بعمق بتجربة الشاعر الراحل.. خصوصا اذا ما أخذنا بعين الإعتبار امتداد ذلك التأثير ضمن دائرة عربية كبرى حظي فيها العريض بحضور كبير واعجاب ملحوظ ... وشهرة تجاوز بها النطاق العربي الى النطاق العالمي من خلال ترجمته للرباعيات
.

جانب من دهاليز المطبخ السياسي



بالنسبة الى دوائر القرار السياسي في أميركا، للدخول في لعبة "صنع المستقبل"، لا بد من الرجوع الى "ماضيك"، إذ سيحدد الشكل والصورة التي ستكون عليها في تعاطيك مع ملفات وأزمات وقضايا المستقبل.
ليس من مصلحة أحد في أميركا أن لا يُلتفت الى ماضي المراد لهم أن يشاركوا في اتخاذ القرار، أو على الأقل المساهمة في صنعه.
فيلم The Contender للكاتب والمخرج رود لورييه يذهب ضمن هذا الإتجاه وبمعالجة وحبكة تدفع المشاهد ومنذ بداية الفيلم الى الدخول في لعبة تخمين يخسر فيها الكثير مما يعتقد أنه أمسك بخيوطها، اذ يطوّح بها المخرج جانبا تاركاً لكل شخصية من شخصيات الفيلم الذي لعب أدواره الرئيسية كل من جيف بريدج، في دور الرئيس الأميركي، عن الحزب الديمقراطي ، جاكسون ايفانز، وجوان ألين في دور السيناتور عن أوهايو، والمرشحة لمنصب نائب الرئيس،لاين هانسون وغاري أولدمان في دور عضو الكونغرس،شيلدون رونيون، وكريستيان سلاتر في دور عضو الكونغرس،وسام إليوت في دور كبير موظفي البيت الأبيض، ووليام بيترسون والذي يلعب دور حاكم احدى الولايات.
بداية الطريق لاختيار نائب الرئيس
الفيلم يبدأ بعد ثلاثة أسابيع من موت نائب الرئيس الأميركي في مكتبه، ولا يتم في الفيلم تقديم أي شئ عنه، إلا باعتبار منصبه الذي تدور حوادث الفيلم في إطاره.
ثمة خياران أمام الرئيس: الأول أن يختم فترة ولايته في البيت الأبيض بقرار يعزز مكانته وحضوره في التاريخ الأميركي بالإقدام على اختيار امرأة نائبا له، ليسجل له أنه أول من أقدم على هذه الخطوة. أما الخيار الثاني فصنعت حضوره وشعبيته (الصدفة) – هكذا يسعى المخرج للإيحاء الى الجمهور – وهو حاكم إحدى الولايات،جاك هاثاواى، والذي يلعب دوره وليام بيترسون، والذي تقوده (الصدفة) إلى إنقاذ امرأة سقطت بسيارتها في أحد الأنهار، في الوقت الذي كان فيه الحاكم يمارس هواية الصيد، إلا ان محاولته تبوء بالفشل، وعلى الرغم من النتيجة إلا أن الحاكم هاثاواى يحظى بشعبية كبيرة من قبل الشعب الأميركي لموقفه البطولي ذاك، أو هكذا يحاول الكاتب والمخرج لورييه ايهامنا به، اذ ستتضح مفاجآت قبل أن تصل الحوادث الى ذروتها النهائية.
يتم استدعاء هاثاواى الى البيت الأبيض، وقد وضع في حسبانه انه خيار الرئيس ايفانز من دون أن يداخله شك بأن الأمور ستنقلب رأسا على عقب، وهو ما يحدث تماما، حين يفاجأ بالرئيس يطلب منه التنازل عن منصب نائب الرئيس ، لأنه عقد العزم على ترشيح السيناتور هانسون لتولي المنصب في توجه أشرنا اليه بداية هذه المراجعة.
في المقابل يتم استدعاء السيناتور هانسن لذات الهدف، ولكن بعد أن وقع الإختيار الرئيس عليها.
ربما ما لم يلحظه معظم المشاهدين، أن المخرج تعمّد ولأكثر من مرة تكرار طلب الرئيس الأميركي من ضيوفه مشاركته في إحدى الوجبات باتصاله في كل مشهد من تلك المشاهد برئيس الطباخين لاعبا على تنويعة من الوجبات التي تتم تلبيتها من دون أي تردد وفي أوقات متأخرة من الليل، ما يقودنا مع استمرار تداعيات وحوادث الفيلم الى استيعاب تلك الثيمة التي حاول المخرج تمريرها في مفاصل ومشاهد محددة في موضوعها وحتى أهدافها.
الحكم القيمي على المرأة
الموضوعة الرئيسية التي يسعى الفيلم الى معالجتها تكاد تكون شبيهة في بعض تداعياتها في الجانب الفضائحي منها بتداعيات الفضائح الجنسية التي تورط فيها الرئيس الأميركي بيل كلينتون مع لوينسكي، ويحاول كاتب الفيلم ومخرجه تشخيص الحكم القيمي لغالبية المجتمع الأميركي بمحافظيه وليبرالييه وحتى أولئك الذين لا يضعون للأخلاق أي وزن يذكر، وهي موضوعة تشير بإصبع الإتهام الى حال من التمييز يمارس على المرأة، وخصوصا اذا ما قدّر لها أن تكون ضمن دائرة القرار السياسي، ويكشف تاريخها عن حال من التورط الأخلاقي المرتبط بالجنس بالدرجة الأولى،فتثير حالا من استدعاء المحافظة المسكوت عنها أو المؤجلة لدى قطاعات عريضة في المجتمع الأميركي، فيما التورط الأخلاقي نفسه من قبل الرجل سيجد له من المبررات والمسوغات ما يتيح له النفاذ بجلده.
مع قبول السناتور هانسون لترشحها لمنصب نائب الرئيس تبدأ الدوائر المعارضة متمثلة في عضو الكونغرس كأكثر جهة عملت بكل قوة للحيلولة من دون أن يصل الرئيس الى مبتغاه لأكثر من سبب أولها أنه رونيون خسر جولة الانتخابات مع الرئيس ما أفقده المنصب من جهة وأوصل (ايفانز) الى البيت الأبيض، ومن جهة أخرى يمثل رونيون وجها من الوجوه المحافظة التي قدمها مخرج الفيلم في صورة السياسي غير الجذاب والذي سرب نصف الحقيقة الى الصحافة ووسائل الإعلام من خلال صورة فاضحة تعود الى سنوات يوم أن كانت السيناتور هانسون طالبة في الجامعة، الصور تبرزها في مشاهد جنسية شاذة يقوم رونيون بتسريبها ونشرها على شبكة المعلومات.
هانسون التي قضت 10 سنوات كسيناتور عن اوهايو، والتي تتكئ على تقاليد في السياسة من خلال عمل والدها حاكما لإحدى الولايات، تلعب الدور الأكبر والرئيسي في الفيلم من خلال تحكمها الصعب في عدد من الإنفعالات وتحت ضغوط لا طاقة لكثيرين بها، فبعد أن يتم ترشيحها للمنصب لا بد من مصادقة لجنة الكونغرس عليه ويترأس اللجنة (رونيون)، وعلى الرغم من أن الصور التي وقعت في يده تصل الى السيناتور هانسون إلا انها تبدو للوهلة الأولى قادرة على التحكم في انفعالاتها، ومصرة على متابعة الطريق التي أرادت سلوكها.
تعقد اللجنة مع التحشيد الذي تم التأكد من حضوره لممارسة مزيد من الضغط، مع ثقة تبدوا فائضة في أن التصديق لن يرى طريقه الى النور، اتكاء على تقاليد شريحة من المجتمع الأميركي الذي يمثل الثرمومتر الذي يحدد درجة حرارة التعاطي مع القضايا الملحة والمصيرية في أحيان كثيرة. ما يفاجأ المشاهد أن هانسون تلتزم الصمت ومن دون تعليق في إصرار على أن ما حدث هو أمر شخصي. وأثناء أدائها القسم أمام لجنة التصديق على تعيينها، لا ينسى عضو الكونغرس كريستيان سلاتر من تذكير الحضور بمقتطفات من تصريح لها تعترف فيه بأنها لا تؤمن بالله أو الكنيسة، في إشارة الى أن أداءها القسم لا يعني بالضرورة أنها ستقول الحقيقة.

المكارثية الجديدة

غاري أولدمان أو ( شيلدون رونيون) جسد شخصيته بتميز ملفت وآسر، وأداء يكشف عن امكانات كبيرة لهذا الممثل الذي يمكنه لعب أدوار صعبة تشخّص جوانب نفسية تستعصي على عدد كبير من الممثلين، وفي الدور مثل رونيون في جانب من مواقفه حالا مكارثية جديدة ظلت ملعونة ومسخوطا عليها من قبل الشعب الأميركي، والتي عملت وقتها على الحد من مكتسبات الديمقراطية والحرية، وقامت بإحصاء أنفاس شريحة كبيرة من السياسيين والسينمائيين والمثقفين، الذين لم يعرفوا حقبة مظلمة في تاريخ أميركا كتلك التي عاشوها ايام هيمنة مكارثي. المكارثية الجديدة تمثلت في الطريقة التي تعامل بها (رونيون) مع ملف السيناتور هانسون، والتأليب والتحشيد الذي مارسه في سبيل منعها من الوصول الى المنصب، وبطرق لم تخل من التواء.
مع تعدد جلسات لجنة التصديق يبدو للمشاهد أن النهاية المحتومة ستكون بتواري هانسون عن الأنظار، وأن رونيون هو قاب قوس أو أدنى من جني ثمار تحشيده وتأليبه، إلا أن التداعيات تقودنا الى النقيض من ذلك، على الرغم من إعلان هانسون انسحابها من الترشح والإكتفاء بالسنوات المتبقية لها كنائب عن أوهايو. ما يقود تلك التداعيات الى النتيجة التي يتحصل عليها الرئيس الأميركي هو الرصد والتكثيف المضاد على الجهة الأخر لحاكم الولاية ووليام بيترسون ، ومن خلال تقارير مكتب التحقيقات الفيدرالي، يتم استدعاؤه، بعد أن تكون حظوظ ترشحه للمنصب باتت لا تقبل الجدل، الا ان المفاجأة أن الرئيس يكشف من خلال (طبخة) تم اعدادها بشكل جيد عن أن المرأة التي سقطت بسيارتها في النهر وسعى لإنقاذها ما هي إلا ضحية طمع وجشع الحاكم للوصول الى المنصب، اذ كشفت تحقيقات المكتب عن إيداع مبلغ في حسابها المصرفي لتقوم بذلك الدور بالإتفاق مع الحاكم ليقوم بإنقاذها في الوقت المناسب، ولكن تجري رياح القدر بما لا تشتهيه سفن الحاكم، بعجزه – أو تعمده – عن انقاذها، فتتم ازالة واحدة من العقبات أمام الرئيس خصوصا وأن رونيون وأعضاء لجنة التصديق كانت أكثر ميلا لترشح بيترسون للمنصب.
أكثر مشاهد الفيلم صدقا وعاطفية، هو مشهد الرئيس وهو يلقي كلمته أمام الكونغرس الأميركي الذي دعاه للإنعقاد، إذ بدت كلماته نارية أعطى أداؤه لها بعدا دراميا عميقا، استطاع من خلاله أن يحوز على تعاطف ومن ثم موافقة اللجنة على ترشيح هانسون.
ما يميز الفيلم، انه يقوم بدوره بشجاعة ملحوظة من خلال لعب أدوار مباشرة وواضحة لا لبس فيها ولا تغميض في تعاطيه مع قواعد اللعبة السياسية في الداخل الأميركي. ويسعى فيلم The Contender أن نؤمن بضرورة أن تأخذ السياسة موقفا كهذا من القضايا التي ما زالت محل خلاف وتردد في التعاطي معها.

الأحد، 28 سبتمبر 2008

الثقافة وأفق الغياب




ثمة متسعٌ لأفق إضافي، أفقٍ يجد فيه الإنسان العربي سلامته الغابرة وعافيته التليدة.
في الراهن العربي، ثمة أكثر من صفة وشاهد على الغياب ... الغياب الذي يكاد لا يكتفي بالإحتفاظ بأفقه، بل يذهب بعيدا نحو تسويره بشتى الموانع، والحيلولة دون أن يطأ أحد مركزه الحصين.
من هنا فقط يمكننا فهم لماذا لم تستطع الثقافة والفكر العربيان تحصين الوجود الراهن؟ وبالتالي لم يستطيعا اختراق أو فتح كُوّة في أفق الغياب المسوّر بالموانع.
فقط لأنها ثقافة تتحرك في أفق من الموانع والتابوهات، ومثل ذلك التحرّك لا يعدو كونه تحركَ سجين في حبس انفرادي بالكاد يتسع لخطوته الأولى، ليصبح – مع مرور الوقت – مثل ذلك المجال "الحيوي" – بالنسبه اليه – بمثابة الأفق الراهن والوحيد!.
ثقافة تحيلك على ما ابتدأ منه الآخر، باعتباره ذروتها ونهايتها، لا يمكن إلا أن تظل في حال تنفس لهواء مستعمل ومستهلك!.
وكأننا أمام حال من تأبيد "بقاء الحال على ما هو عليه"، بل ويتجاوز الأمر تلك الحال الممعنة في "خزيها" الى حال من القدرة على "التفنن" في التراجعات ، وبصورة ملفتة!.
وفي الحديث عن الأفق الإضافي، تتبدّى الحاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى، الى العمل على ترسيخ وتأكيد ضرورة فكر المراجعة، وإتاحة الحق الطبيعي – من دون اشتراطات أو ابتزاز – لـ "النخبة المُغيّبة" ، لا "النخبة التي تنعم عليها السلطة بشئ من هامش سلطتها"، لممارسة حقها الطبيعي في رفد مؤسسات المجتمع المدني بطاقة تحركها، وريادة مبادراتها، وعمق تناولها لإشكالات الأمة.
كأنه " ورد أقل" مما يجب، ذلك الأفق الذي لهج به الشاعر الفلسطيني محمود درويش في مجموعته الشهيرة، بسبب أن الهشيم يكاد يُشكّل المشهدَ الراهنَ، يُشكّل مُرُوجَه الناريّةَ، وأفقَه المدبّبَ،و سبلَه المتوارية خلف الكمائن والشراك.