كيف أنت إذا اكتشفت حقيقتي؟

صورتي
أنا صرخة غريبٍ ما عرف ترنيمة الراحه، وأنا نار القصيد اللي تحطّم قيدها بقيود

السبت، 31 يناير 2009

الحق في الكوابيس





(1)
حين يصبح المثقف كـ " الوقف " لنزوات السلطة وذهنيتها ، يتحول وبشكل منطقي الى موضوع ... فكرة ... نزوة ، مرتهنا لذهنية لن ترسله على أي حال إلى فردوس منضّد ، بل إلى محرقة مؤثثة بالتشويه ونسف الملامح!.
(2)
حال المثقف اليوم شبيه بحال الجمعيات والمنظمات المدافعة عن البيئة أو أطباء بلا حدود ... أو صحافيين بلا حدود .. أو ربما عاطلين بلا حدود ! اذا كان للأخيرة أي منشأ أو وجود حقيقي .. إذ تظل الجمعيات الثلاث تحلم وتتطلع ( وليس في ذلك جريمة ) إلى تغيير سياسات قامت على السطوة والمال والنفوذ ، فيما هي لا تملك غير نيتها من جهة وإرادتها من جهة ثانية وإيمانها بما تسعى وتدافع عنه من جهة ثالثة ، في الوقت الذي تشتري فيه السطوة والمال والنفوذ ، النيات والإرادات والإيمان غير القائم على ما يدعمه ويحفزه ويخندقه حتى النفس الأخير في خط المواجهة!.
(3)
يظل المثقف " شيئا " في حدود جغرافية من الكرة الأرضية ... شيئا قابلا للتحريك والتشكيل على أكثر من مستوى ... بدءا من القناعات وليس انتهاء بالثوابت. فيما يظل في حدود جغرافية أخرى تبدو لا علاقة لها بحال التناقض الصارخ على هذا الكوكب ... يظل إنسانا مهمته الإنقاذ وفي الخط الأمامي للمواجهة والدفاع عن مكتسبات شعبه أولا وثانيا وثالثا دونما كبير اهتمام للإقتراب من دائرة السلطة بمعناها ( الإحتوائي ) ... إذ تظل سلطته مركّزة في التعرية والفضح والتهكم بل والتحريض على تجفيف منابع الفساد والتهميش للإنسان باعتباره كائنا مخوّلا بـتصحيح مواضع الخلل .
في الحدود الأولى تكمن سلطته في الصمت والصمم والعمى ! ومتى ما استشعر استعادته لأى من تلك الحواس عليه أن يدّعي خلاف ذلك في جلسات فحص تمتد من ( صنعاء ) إلى ( طنجة ) . هو كائن طالما ظل على مصالحة مع مواضع الخلل وتعامى عن التعرية والفضح والتهكم والتحريض !.
(4)
يبدو المثقف ضمن دائرة العالم الثالث منذورا ومخلوقا لاستقبال بل وابتلاع وهضم كمّ هائل من الصدمات التي لو تحولت إلى حزام لطوّق الكرة الأرضية!.
ويصحو المثقف ذاته على شريط هو الآخر هائل في حجمه من المجاعات والكوارث والخبراء الشقر الذين لا يكتفون ببتر أحلامه بل يمتد بترهم ليطال كوابيسه . أليست كارثة أن لا تملك الحق في أن تكمل شريط كوابيسك؟.


الثلاثاء، 27 يناير 2009

عاطفية التاريخ





" ادوارد " اسم ينتمي الى الغرب بكل هواجسه وهوسه، و " سعيد" هو في الصميم من " تعاسة " الشرق!.
رجل اشتغل بالمقارعة، وذهب الى الحدود القصوى من البرهان على ان الغرب ضالع حتى العظم في موهبة التزوير والتعتيم وليّ الحقائق!. وبين موقفه المضاد لاتفاقات أوسلو وعمله الدؤوب والفارق على موضوعة " الإستشراق " يتبين الخط الرفيع في بداية اشتغاله على ممارسة المنفى في وطن هيأ له كل اسباب بطالة المواطنة، ولكنه أبى الا ان يمعن في انتمائه بالتوغل في المنبع النائي، في الصميم من فضح لعبة التزوير وتعريتها.
أن تكون استاذا في بيئة تتنفس هواء صهيونيا كجامعة كولومبيا، وأن تكون أستاذا للأدب المقارن في جامعة هي في العمق من التيه اليهودي في بعده الجارح، فذلك يعني ان عليك ان تتحول الى أبجدية في صورتها المستسلمة والبدائية.
هل يمكننا الحديث عن مثقف سخي يكشف لنا عن بخل الجهل الذي يحيط بالعالم؟.
في كتابه " الإستشراق " عمد ادوارد سعيد الى تأسيس اركيولوجيا " الصدمة "... الصدمة في بيانه وبلاغته التي قاربت القبض على الإدانة تجاه مفهومين ظلا غائمين على الغرب: الإسلام والعرب "... غائمين من حيث الأثر الذي تركه تكثيف الإستهداف والتعمية في وسائل الإعلام الأميركية ... والإدانة من حيث وعي تلك الوسائل بالدور الذي تمارسه بعيدا عن الوعي والتفهم!.
كان مقدسيا بامتياز وان تورط في حضوه " النيويوركي"... وانشغل بالخريطة والجغرافيا والإنتماء وتعدد الهويات... في اشارة له " أنا مسكون بشعور عميق بأن لي هويات متعددة... أفضل أن أكون هكذا على أن تكون هويتي صلبة وجامدة ". الا ان ذلك التعدد لم يفقده شيئا من روحه المحلقة في المكان الأول والهجرة الأولى والمذابح الأولى والإغتراب الطارئ والمقيم معا!.
تجاوز الزواج من المطلق،ظل حذرا من الإستجابات التي تفرضها بورصة العلاقات الدولية... قام بتنحية كل ذلك جانبا ليتفرغ للسان من نار لتأسيس مرجعيات هي على تماس مع الحسم.
ومنذ كتابه " صورة العرب" الذي اصدره في العام 1968 وولادة كتابه " الإستشراق " في العام 1978، مرورا بـ " الثقافة والإمبريالية " في العام 1993. أصبحت لإدوارد نكهة فارقة... نكهة خسف القناعات والثوابت في فكر عالمي متهم بانحيازه للقوة والبطش والآلة!.
في " الإستشراق " عرى العلاقة الحقيقية بين الثقافة والبطش الغربي إزاء الشرق. وفي مجمل كتاباته التي وسمت حضوره في المشهد السياسي العالمي قارئا ومتتبعا ومحللا جريئا تبدى موقفه من اتفاقات أوسلو، من خلال تلك القراءة لحقيقة الكيان الطارئ على الجغرافيا والتاريخ... قراءة مستمدة من تراث عريق تلمسه ورصده من المجازر والترحيل وطمس الهويات على مستوى المكان والتاريخ والإنسان. ولم تك كلمة الروائي الهندي الأصل البريطاني الجنسية سلمان رشدي وشهادته التي أطلقها ذات عزلة ضربا من الجنوح في الرؤية والرؤيا حين قال: " ان هذا الرجل يقرأ العالم بنفس القوة والوضوح اللذين يقرأ بهما الكتب".
كما لم يتجاوز الكاتب في " ليبراسيون " جان بيير بيران، لم يتجاوز الحقيقة حين اشار: " قليلون هم المفكرون الملتزمون الذين كتبوا وناضلوا بمثل هذه القوة حتى يكون التاريخ اقل عاطفية وأكثر تعقيدا وعقلانية".



الثقافة... الفكر... وسد الذرائع


لكأن الثقافة والفكر العربيين في انعدام تأثيرهما في الحياة العامة، محض ثرثرة. هل هما كذلك؟ ما الذي يثبت العكس؟.
تفاصيل يمكن تلمّسها في الحياة العربية تنبئ عن ذهاب المشكلات والمآزق في وجهة، وتنظير الفكر، وفراغ الثقافة تلك في وجهة أخرى. والنتيجة: مزيد من الفراغات التي لا تتطلب أي املاء لها، ومزيد من الوهم الذي لا يحتاج الى مصيبة يقين يهبط عليك من "زنازين" تفسيرات، ومزيد من المآزق والحرج أمام تحولات وتبدلات وثورات جارفة على أكثر من مستوى، فيما واقع الوسط الذي تتحرك فيه تلك الثقافة والفكر يعاني من احتقان وانغلاق وسد لذرائع بالجملة!.
فكرٌ أول ملامحه وشواهده أنه لا يفكر، هو فقط يعمل على نسخ انجاز الآخر بشكل بليد وركيك ومخزٍ، من دون أن يمتلك المعدة القادرة على "الهضم". هل نحن ازاء جهاز محاكاة جماعي عربي مَكَنَتُهُ المحسوبين على الثقافة والفكر، الا من رحم ربك؟.
هل نحتاج الى اعادة قراءة واستعراض في هذا الصدد؟ وما الداعي الى ذلك؟ ما دامت النتائج تشير الى لا قراءة، وادمان في الاستعراض. استعراض في الهش والظاهري مما يمكن أن نطلق عليه "مدينية الفكر، مدينية الثقافة" لكن ذلك لا يضمن على الاطلاق منح الأمة المبتلاة بتلك الخديعة، الأدنى من المستحق والفعلي من أثر فعلهما.
***
حسنا لا يصدمنّك أن الاعلام يقوم بدور داعر وغبي في هذا الصدد، داعر بفرضه – لا اقتراحه – مجموعة من الأسماء التي تمعن في تعميق حال من دعارة كل شئ، بمعنى الذهاب الى الحدود القصوى من الفراغ، ومن الفرجة، ومن "اللذة" في جانبها البهيمي القاتم والدافع الى مزيد من "العجز". والاعلام في النهاية سلطة، تظل تؤكد انها خارج سياق "العجز"، فيما غيرها في الصميم منه. واذا ما كانت السلطة تلك تمعن في فرض أشباه رجال وأشباه نصوص وأشباه أطروحات، فمن حقك – أنت الخارج من ووصفات ومعادلة السلطة المهزوزة والمرتبكة – أن تبدي يأسك بل وتشرعه في وجهها، لأنها تعمل في بداية الأمر ونهايته على تزوير وطمس ومصادرة الدور الذي من المفترض أن تضطلع به.
ماذا يعني ذلك؟ يعني أن السلطة لن تيأس – بكل امكاناتها – في أن تدخلك شريكا في المشروع، مشروع سد الذرائع!.
***
من ضمن صور "سد الذرائع" في الثقافة والفكر العربيين المعاصرين، وبمباركة سلطة لا يهمها سوى أن تسد الفضاءات، وأن تروج حالات من الايمان بها ، أن النيّرين منها هم أول حطب نارها، وهم وقودها الضروري،و هم وقود امثولاتها التي يجب أن تعمم. ولا نحتاج هنا الى شواهد وقوائم بالضحايا.


الحراسة على الماضي!


إرجاع الزمن إلى لحظة البداية، اختزال، بل هو محْوٌ لتاريخ الإنسان وحضوره وإنجازه منذ أن وجد على سطح هذا الكوكب. وهو اختزال ومحْو يقول فيما يريد قوله – بوعي أو من دون وعي – أن ما عداه من إنجاز وحضور، يظل "عابرا" فيما هو "المقيم" والمحرّك ... ان ما عداه يظل ثابتا فيما هو المتحول على مستوى التأثير والإضافة... ان ما عداه متلقٍ وتابعٌ وممتثل، وعليه أن يكون كذلك. مثل تلك الرؤية التي ما زال بعض مريديها يؤكدونها... من أن الماضي ضمن تصور تلك الرؤية هو المرجعية المطلقة والوحيدة... تدفع الى تعميق حال من المسوّغات وتنشئ نوعا من "الحراسة" على الماضي خوفا من انفلات الحاضر ومساءلة المستقبل!.
***
مثل تلك الرؤية، هي في العميق من ذهاب السلطة بعيدا عن الحدود التي من المفترض أن تتحرك وتدعو وتبشّر بما تريد التبشير به... وبمعنى آخر، هي قمع وإن اجتهدتْ في تبريره على أكثر من مستوى، إنْ على مستوى القياس كمدخل رئيسي تنطلق منه تلك الرؤية لفرز وتصنيف وفي النادر قراءة ما عداها من رؤى، أو على مستوى التقرير !.
تكشف مثل تلك الرؤية عن "إكراهات" مدروسة، وعلى رأس أجندتها – من دون أن توحي بذلك – إكراهات تهدف إلى إيجاد "نظمية" تعتقد بها في مرحلة أولى، وتفرضها في مرحلة ثانية. لحظتها لا يعود الحاضر حاضرا بقدر ما يعود "ماضيا" بأدوات تحريك مغايرة... لا يد لها فيه... ولا يعود المستقبل مستقبلا، بقدر ما يعود حاضرا معاصرا ومعاشا له أجندته "المعاينة والملموسة" والتي يمكن تحديد الدقيق من إمكان تمثلها وتطبيقها!.
***
إذنْ هو تواطؤ على المستقبل، وتلك هي الخطورة... فالحاضر في امتداده العربي الإسلامي لا يشي بانقلاب – على الأقل على المدى القريب – من الإملاء في السياسة والاجتماع والتربية و... لا يشي بالمضاد من تلك الرؤية، وبالتالي يصبح الزعم بخلق أو إنتاج حال من "الكونية" المتوازنة على مستوى تلك الحقول ضربا من "التنجيم" بالنظر إلى وضعية التواطؤ تلك وبالنظر إلى تبني الاختزال والمحْو!.
***
مثل تلك الرؤية، تكريس لتوجه "تماثلي"... وحين تُكَرَّسُ حال "التماثلية" تلك، يصبح الحديث عن التعدد ضربا من السماجة والضحك على الذقون، بمعنى آخر هي دعوة إلى "باطل كوني" مقدمته وبالضرورة نتيجته من ذات السنخ!.
***
مجتمعات هي في الصميم من تحكّم تلك الرؤية لا يُتوقعُ منها غير أن تديرَ ظهرها للمشكلات التي تواجهها...إذ هي جزء من ذلك الإختزال والمحْو... ومثل إجراء كذاك يدفع بتلك المجتمعات لأن تكون بمعزل عن حركية العالم في بعدها المتغير والمنتج... وأية محاولة للإنعتاق والتمرد على تلك الرؤية تكون بمثابة تعدٍّ على عدد من المفهومات والثوابت ...التي تدّعي الخوف عليها: الهوية ... الأصالة... الذات الجمعية المتفردة!.
***
تظل الذات "محور العالم"... الذات في بعدها المنطلق للدخول في متطلبات الجماعة والتفاعل مع تلك المتطلبات.. بحيث تتحول إلى أداة فاعلة تهدف إلى وضع نفسها في تصرف التحرك والتفاعل الجمعي سعيا وراء الخروج من حال "الخاص" إلى حال "الكوني"... على مستوى التكيّف... الانسجام... التغيير بصفته ضرورة تثبت حركية الحياة!.
***
وفي مواجهة إرجاع الزمن إلى لحظة البداية بكل ما يتطلبه ذلك الإرجاع... والقول ضمن - عدد من المقولات - "بأن ثقافة شعب ما أفضل من ثقافة شعب آخر"، وبشكل قاطع وفي المطلق، تدفعنا إلى إعادة النظر وقراءة ما توصل إليه كلود ليفي – شتراوس في عدد من أبحاثه من خلال تأكيده أن التعصب لمثل رؤية كتلك إنما تكشف عن حال من الإستلاب إزاء الثقافات الأخرى... وفي جانب ، هيمنة معايير الثقافة تلك على البشر المنتمين إليها والتبعية لها.
الثقافة التي لا تدشن أسئلتها حول العالم كفضاء كلي ومفتوح إنما ترمي إلى تغييب حال من "التكامل"، وتصرُّ زورا على حال من "التفاضل"!.
***
ثمة تجاذب في الزمن "العربي – الإسلامي" الخاص... أو لنقل ثمة حال من "الهدْر" لتلك القيمة وبمعزل حتى عن النصوص والوصايا والهدْيين القرآني والنبوي... وحين أشرت إلى وضعية إرجاع الزمن إلى لحظة البداية لم يكن ذلك الإرجاع على ارتباط أو صلة بفاعلية وحسمية تلك القيمة بقدر ما هو ارتباط به ضمن إطاره التقريري الجاهز بعيدا عنه وهو في الصميم والمركز من التحكم في فاعليات البدء ونوعية النتائج.
***
زمن يمعن في "زخرف" الممارسة فيما هو بمنأى عن "لب" الحضور وتأثير ونتائج تلك الممارسة... زمن بمنأى عن النموذج الأول ... ولن يكون مقنعا القول: إن ما استحدث واستجدّ في حاضر الزمن يظل علامة فارقة عن بدائية المتاح وقتها... إذ ما تم تحققه يضاف إلى رصيد ما يفترض إنجازه وبنوعية عالية... من دون أن ننسى أن مساحة كبيرة مما أنجز وأتيح من أدوات أنتجها استثمار الزمن لدى الآخر الذي ظل في موضع الإتهام وعرضة لأن يكون تحت مجهر "التفاضل" ومقصى عن الإيمان به كطرف رئيس في حال من "التكامل"!.
***
زمن عربي – اسلامي، يؤجل الثمرة والنتائج كتبرير لعدم فاعلية الزمن المشهود، والحياة المشهودة، يمثل أنموذجا صارخا لردّة وتجاوز لنصوص ووصايا الهديين القرآني والنبوي، فيما أصحابه يتحدثون باسمهما آناء الليل وأطراف النهار!.
***
زمن شائع في "الكلام"... محاصر في "الفعل"... حاضر في "البلاغة"... غائب عن أثر ونتائج تلك البلاغة... ممتد في النصوص... مقلّص في الممارسة... متطاول في الإستشهاد... مغمور في السائد... شاسع في التصور... محاط ومسوّر بالتفسيرات الخاصة!
***
زمن رصيد أتباعه وإنجازهم "النظْم"... نظْم فوضى توجههم وتعاطيهم مع المصيري... مع أولويات وجودهم... نظْم يذهب حد "المسامرة" واللهو بل والعبث... زمن يطمر الآبار ويحبس الروافد ويسمّم القنوات ويثير حولها فزعا وهولا يدفع جلّ الأمة المنتسبة له الى اصطفائه كشرّ "مستطير"... زمن هو في الغياب من "الهامش" يطالب بالحضور في "المتْن"... زمن "الحقيقة" عنده مطلقة... فيما هو أسير للمضاف من الغيبي الذي لا علاقة للهدييْن به!.
***
زمن كهذا... حريٌّ باتباعه أن لا يتشدّقوا بانشدادهم وتمثلهم له لحظة البداية... حريٌّ بهم أن يقرأوا ويواجهوا أزماتهم بشكل عملي... عليهم أن يؤسسوا لطرق أخرى في تعاطيهم وفي رؤيتهم وفهمهم للعالم... أن يتجاوزوا ما "كان" الى ما هو "كائن"!.
***
زمن على أتباعه التفريق بين "قمع" السياسات و"كبت" الفهم للنصوص...إذ ثمة كبتٌ يُسْهرُ عليه ويُراعى من دون قصد... كبت يتولّد من الإصرار على بنْية في التوجه والتفكير والتعاطي وحتى الإتصال... وهو اتصال "حذِرٌ" و"ناقص"، بل "مقطوع"، طالما استأنس بفهمه وتفسيره واستوحش بفهم وتفسير الآخر. زمن على أتباعه الخروج من "التبسيطية الطبقية".. والنفاذ الى عمق البنية الثقافية.
***
ثمة تلاشٍ في الزمن الراهن للكونية التي قام عليها الإسلام والفكر الإسلامي ، يتوظيفه للزمن خير توظيف... ثمة بديل صُراحٌ لذلك... ويبدو انه بديل بات مقنعا لكثيرين... بديل يتمثل في تفشي الدويلات وتناسل المذاهب والطوائف!. ألم يتحول الزمن في ظل واقع كهذا هو الآخر إلى زمن دويلات وزمن مذاهب وطوائف؟ زمن هو في الصميم من التشظي والتجزيئ؟.
***
كأنه زمن الأهداف السهلة... كأنه زمن قتل الحيوية في الأمة والإحتفال بزوالها!. كأنه الزمن الذي يشحذ أدواته للعنف... العنف المُبارك! العنف الذي يُوجدُ مواسم الإطاحة برؤوس أصرّتْ على الذهاب في اتجاهات معاكسة... فيما القائمون على ذلك الزمن لا يتحمّلون مثل ذلك الذهاب بعيدا عن التعاليم التي تكرّستْ على هامش الهدْيين القرآني والنبوي!.
***
من رؤية ذات الزمن الذي نحن بصدده تظل "الحقيقة: سلطة بالضرورة... والطغيان: في صلبها... والمعرفة:طرْدٌ للآخر الذي لا يؤمن بها"!.
***
زمن يضع الموروث في مرتبة النص... لا يستثني من ذلك الموروث جانب التعاطي مع المعنيّ بتفاصيل "البشري".

الرواية وتهديد الواقع



صاحبة رواية "بنات الرياض"، رجاء الصانع، في الطريق الى القصاص العبثي والمزاجي والظلامي. تم تشكيل فريق محاماة للمرافعة ضد الكاتبة. الدعوى تقدم بها مواطنان سعوديان، يطالبان بمحاسبتها على تجاوزاتها التي أساءت الى المجتمع السعودي " بحسب تعبيرهما".
مجتمعات تخلخل بنيتها وتوازنها رواية، مقالة، قصة قصيرة، أو تعليق، لا تستحق الحياة. أمة تكشف عن خلل ووهن وتردٍ في بنيتها ووجودها. أي أمة أو نظام ترهبه وتقلقه رواية وما يتبعها من أجناس أدبية، هي في العميق من الغياب، فيما تلك الأعمال تظل في العميق من الحضور والتأثير.
هذه الحملة وغيرها من الحملات في أوطان لها صفة المصادرة والدمار، وكمّ الأفواه، ومحاولة خصي أي رجولة، أو تعقيم أي أنثى، تحاول ممارسة دورها الانساني الطبيعي، تكشف عن أنها أمة في الكثير من المفاصل والظروف لا تستحق الحياة، لأنها عالة على الجنس البشري،وعالة على الأشياء ذاتها.
"بنات الرياض" ، وغيرها، وقائمة جاهزة قبل ثلاث سنوات تم الاعلان عنها قبل شهور لاغتيال عدد من الأسماء الفاعلة والمؤثرة في الحياة الثقافية والفكرية من الخليج المحاصر بالمارينز والقواعد، الى المحيط الملوث بالنفايات النووية التي تخلفها دوريات الانضباط العالمي، لا تتطلب كل تلك النفرة الرخوة والفارغة من قبل المواطنين العربيين المذكورين، وأجزم أنهما لم يكلفا نفسيهما قراءة الرواية، أخذا بسنّة الاشاعة والقراءات الموجّهة والمبتسرة في الصحف،والمنابر ذات التوجه الظلامي الذي يكاد يسم الأوقات والأمكنة العربية التي باتت موبوءة ونذير شؤم لأي تفتّح في المدارك أو الوصول الى شكل من أشكال تجاوز هذا الواقع الكابوسي بامتياز.
لن تكون الصانع آخر الضحايا على القائمة، فهذه الأمة بين أبنائها من لديهم الشهية المفتوحة لتسجّر نيرانها القادرة على ترك كل ما له علاقة بالحياة، قاعا صفصفا.
بعد كل ذلك، يبقى القول أن الرواية المذكورة تفتقد الى الكثير من مقومات العمل الروائي، عدا عن لغتها الباردة والجافة.


الشارع الذي نلعن





ثقافة شوارع... أولاد شوارع... تربية شوارع... منطق شوارع. في الوقت الذي لن نصل إلى البيت... المدرسة... العمل... المسجد... أماكن اللهو... إنقاذ شخص ما... لن نفيَ بمواعيدنا... لن تكون علاقاتنا العاطفية والإنسانية بخير، ما لم نجتز تلك الشوارع في نهاية المطاف.
والزعيم يجيّش أنصاره للنزول إلى الشارع، فيوهم نفسه أنه حقق انتصارا ما، يأوي الى بيته، فيما السواد الأعظم بلا مأوى حقيقي، ويكتشف أن مكانه الوحيد هو العراء... الشارع.
استهلكنا سنوات من لعن تلك الشوارع، في الوقت الذي ظلت هناك تنتظرنا كي نعبر اليها لاستمرار حراكنا الانساني. على من تقع اللعنة بعد ذلك؟.
***
الشارع عربيا "شتيمة" ما دمت في استوديو للتسجيل، أو في مكتبك المطل على البحر، أو في نادٍ صحي، على رغم أنك لم تهبط بمظلة، وحتى لو حدث ذلك، لن تهبط على الماء، ستهبط على الأرض، والشارع جزء من الأرض. كأنك بذلك تمارس فعل اللعنات على نفسك كل يوم، كلما رأيت في الشارع مكانا عالة على اليابسة، طالما انك في غرفة نومك. مثل ذلك النظر يكشف عن أن أولاد الشوارع لدينا أكثر من أولاد "الذوات"، أليس كذلك؟.
***
فيروز غنّتْ للشارع، وشعبان عبدالرحيم لم ينسه، لأنه أتى منه، ومن قبله أحمد عدويّة، الذي لم يتنكّر له، وفيفي عبده تذكّر نفسها دائما بأنها ابنة شوارع، بدليل أن السيناريست – أي سيناريست – لا يرى جدوى في دورها ما لم تجلدِ المشاهدين بقاموس "شوارعي"، باتوا يحفظونه عن ظهر قلب. الفرق أن فيروز حقنت مزيدا من الشعرية في شرايين الشارع، بحيث بات - مع صوتها - لا يقل حميمية عن قاعة للجلوس، أو حتى غرفة نوم، فيما الآخرون ظلوا يسيئون اليه بأدوارهم، ومكياجهم، وحواراتهم، وملابسهم، ورفاهيتهم المفتعلة، على رغم أنهم أدوا تلك الأدوار كي يعيدوا الاعتبار اليه.
***
لا تحتاج الى استئذان الشارع كي تعبر من خلاله. تماما مثل عدم حاجتك الى طرق الأبواب اذا ما كانت "مشرعة". الأبواب المشرعة إيذان لك بالدخول، أو هي قرْع تم انجازه بالنيابة عنك، والشارع لا يضيق ذرعاً بالآلاف التي لن تخنقه – ليس لأنه من دون رئة – بل سيضيق حين يحسب كل واحد من المزدحم بهم، أن الملاصق له عَمَدَ الى مصادرة حصته من الهواء. لحظتها يكون الشارع أرحب وأسمح وأكثر سخاء وحفاوة من الذين يلعنونه.
***
في مصادرةالحرية... في الحبس... في المصعد الذي تعطّل فجأة... في الباخرة التي يكاد يبتلعها البحر... في الطائرة التي تكاد تهوي، يحضر الشارع الفسيح الذي اعتدنا المرور عليه بشكل يومي، يحضر كأنه أحد الأقارب. هو نفسه الذي حين نريد الإمعان في إهانة أحد، أو إسقاطه، أو تجريده من كل خلق وشرف، نصمه وننسبه اليه!. ويحق للشارع بعد ذلك أن يعتز بصفته إزاء سقوط بهذا المستوى!.
***
في الكلام على أبناء الشوارع، ألا يكشف ذلك عن أن الشوارع تلك أكثر انسانية وشعورا من بعض الذين يلعنونها؟ بدليل انها لم تتبرّم يوما من الذين يتخذون من أسافل الجسور، وزوايا الأنفاق، والسكك المهجورة، مضاجع لهم، في الوقت الذي لا مكان لهم بين بني جنسهم!.
***
كل جمعية سياسية تريد أن تستحوذ على دور أو تخطفه، تظل عينها على الشارع. وهذه المرة ليس باعتباره اسفلتا أو زقاقا، بل باعتباره حيّزا يفيض بالسطوة، وواحدا من أنجع وسائل الضغط. لكأنها بذلك الحسبان تتعاطى مع الشارع باعتباره وعاءً يمتلئ بوسيلة ضغط... بزحف بشري، يستعرض سطوتها، فيما هي خارج ذلك الدور تنظر الى الاثنين معا على أنهما من نسيج ونطفة واحدة. خصوصا حين يفيض الشارع بعيدا عن آلياتها وتحريضها ودورها وسطوتها. تراه حينئذ مزدحما بأبناء شوارع!.

الشعر...الحرية...المحو




يتضح جانب من حرية الشاعر في محو ما كتب والبدء منه، وتتضح عبوديته في توهّم الحرية التي تتيح له إلغاء ذلك المحو.
***
الذين يقرأون الشعر للإسترخاء، يضيفون توهماً الى حزمة كبيرة من توهماتهم، فالشعر باعث كفؤ على القلق، بل والإمعان فيه حتى وهو في انفصاله المؤقت عنه.
***
فيما ترتب العلوم الطبيعية والتجريبية "قشرة" حياة الإنسان، يعمد الشعر الى تحمّل جانب كبير من ترتيب "لب" تلك الحياة.
***
لأن الشعر في العمق من الحس، لا يحتاج إلى أجهزة استشعار عن بعد لتصنيف وتحديد البشر الذين سيدخل أمكنتهم من دون "إحم ولا دستور".
***
الشعر واحدة من الأدوات التي خلّصت الإنسان من الإنجراف والتعاطف مع مجتمع الغابة، فلولاه لأصيب كوكب الأرض بلعنة 6 مليارات طرزان على الطريقة الهوليوودية!!!.
***
ثمة شعر معلّب، وآخر طازج، تماماً كالفرق بين السردين المعلب، وبين أسماك في أكف بحارة مازالت ترعف متمسكة بالحياة، تماماً كالفرق بين الكرز المعلّب، وبين كرز ينتظر القطف.
كل ما يسبب لنا صداعاً وغثياناً وسوء شهية وتفسخاً في ذوق اختيارنا لأبسط الأشياء، بدءا من الملابس، مروراً بآداب الطريق، وليس انتهاء بالعطور، مبعثه ذلك الصنف من الشعر، وكل ما يحرّضنا على الحياة، والحب، و"العفو عند المقدرة"، ويجعلنا نؤمن بـ "ربّ ضارّة نافعة"، مبعثه الطازج من الشعر!!!.
***
الشعراء الذين انتهوا من الذاكرة سريعاً، هم مشروعات تجار خردة، تحتاجهم مرغما كل عام أو عامين، وتحترم انسانيتهم، ولكنهم لا يستطيعون اقناعي وإقناعك بأنهم هنري فورد، أو أديسون، أو أحد الأخوين رايت.
***
عشرات الآلاف من الشعراء مروا بعد المتنبي، وسيمر بعدهم عشرات الآلاف بعد آلاف السنين، لكنه يظل يسبقهم جميعاً بسنوات ضوئية عبر إنجاز عقود قليلة من النظر والتأمل والإدراك ورهافة الحس واليقظة الدائمة حتى في النوم وبشكل مغاير.
بمعنى آخر... الشعراء الذين سيولدون بعد ألف عام من الآن سيفاجئون بالمتنبي وقد سبقهم الى قاعات الدرس والمسارح، وسيكون متأهباً كلما فتح أحدهم كتاباً لتعلّم الدرس الأول.
***
أول النص
يكبرْ مع النسمه صدى الرعشه
وتكبر وردتكْ...
أشتاق لو عينك روتْ قلبي
وسقتْني شفّتكْ...
أشتاقْ لو مرّه تعانق سكّتي
فيها ملامح خطوتكْ...
الله على وردةْ ظماكْ
الله على وقتٍ رماني
ثُمْ رماكْ...


الشعر والحب والخروج على الوصفات الجاهزة




لا يمكنك أن تعلّم أحدا كتابة الشعر، مثلما انه لا يمكنك أن تعلّم أحدا كيف يحب، فللإثنين مساحتهما من العفوية والبساطة، وإن بديا معقدين بعض الشئ، بل يمكن القول ان صعوبتهما تكمن في عفويتهما وبساطتهما، تماما مثلما البسيط من الأشياء التي لا نلتفت اليها ظنا منا بأننا تجاوزناها أو لأنها دون مستوى امكاناتنا، فيما هي خلاف ذلك.
موهبة الشعر هي تماما مثلما الاستثمار، فحين يهبك أحد مبلغا من المال فتستثمره وتنمّيه، يدر عليك بعد سنوات آلافا وربما ملايين، بينما لو تم تجميد الهبة تلك أو تعطيلها فستظل تراوح مكانها، كما هو الحال مع موهبة الشعر، فهي لن تخلق حال الابهار والمتعة والدهشة اذا ما تم الاكتفاء بها على اعتبار انها موهبة وحسب، اذ لا يتأتى ذلك الا بمزيد من محاولة تغذية وتنمية تلك الموهبة عن طريق مزيد من التأمل والنظر بالحواس جميعها، لا بحاسة واحدة، وكذلك القراءة النابهة والنابعة من وعي كبير باختيار ما يضيف ويقفز بك من مرحلة التلقي فقط الى مرحلة الانتاج. وليس بالضرورة أن يكون الانتاج في صورة كتابة نص، بل ربما يأتي في صورة موقفك واستيعابك وادراكك لمستويات الفهم الذي يتحرك في محيطك، لتنتقل الى مستوى آخر يتحدد باضافتك الى ذلك الاستيعاب والادراك.
أعود لأقول: انه لا يمكنك أن تعلّم أحدا كتابة الشعر، مثلما انه لا يمكنك أن تعلّم أحدا كيف يحب، فالحب هو الآخر ينطلق أو يتأتى من ذات العفوية والبساطة، اذ لم يُذكر أن أحدا ممن أوتوا نصيبا من الحب شرع بوضع وصفة تؤدي اليه، فهو ضد الوصفات الجاهزة والخرائط والمخططات والتكيتك الذي يفسده ويضعه في خانة الاستيلاء والتملك. هو ضد ذلك وعلى خلاف معه. لغة بسيطة هو لكنها لاتصل درجة أن يعرفها ويكشف أسرارها وقواعدها كل من عنّ له ذلك، فالوصول الى كشف تلك اللغة رهين بالاستعداد الفطري والسهل في تدشين علاقات يمكن التنبؤ بنتائجها وثمارها وهي بذرة، بصدق التوجه وسلامة النفس وترويض حالات تنتاب تلك النفس وتتربص لتفكيك تلك العلاقات أو افسادها، وذات العلاقات تنطبق على الشعر فالاثنان في حال من التوأمة ولا يمكن الفصل بينهما، فمن دون الحب لا يمكنك أن تكون شاعرا، ومن دون الشعر وعلى اختلاف مسمياته وصوره وعلاقاته لا يمكن أن تكون محبا، وليس بالضرورة أن يكون الشعر هنا نصا ضمن اشتراطاته الموروثة ونظامه المعهود وعلاقاته على مستوى اللغة والمضمون، اذ يمكن للجميل من المواقف أن تكون شعرا، والمعنى الكبير الذي تخلّفه وراءك حين تغادر أمكنة يمكن له أن يكون شعرا. وثمرة العلاقات الانسانية في أسمى وأروع صورها هي في واقع الأمر نصوص شعرية مذهلة، يمكنها أن تتفوق وتتجاوز النصوص الشعرية المكتوبة في أحايين كثيرة. وحركات المصلحين والثوار والممهدين لرخاء الانسان وسعادته وشيوع الأمن والاستقرار في وسطه هم في جملة الكبار الذين تركوا لنا نصوصا تمنحنا المزيد من التفاؤل والمقاومة ومواجهة الجانب المعتم من الحياة، ويظلون شعراء كبارا وإن لم يسطروا كلمة من نص متعارف عليه، وفي المقابل ثمة شعراء بالاسم واللون ولكنهم من دون رائحة، من دون معنى حقيقي تركوه وأسهموا في حضوره، كل ذلك بسبب انهم لم يعرفوا الى الحب سبيلا، ولم يكونوا نبلاء في الروح وان اصطنعوا النبل في اللغة التي يكتبون بها، وهم بذلك لا فضل لهم – ضمن التشخيص الذي أنا بصدده – إذ يعود النبل كل النبل الى اللغة التي صدّقوا وهما أنهم استغفلوها أو ربما استدرجوها لإبداء زينتها ومفاتنها لهم!.

الطريق إلى نسخ نصوص التهلكة!




"حنيّه ياجذاب منّك
ماشفت"...
من سواه يبحث عن حنان استبدله الوقت بالمنافي والسجون وانتظار حبل يطوّق عنقه؟ من سواه ينتظر حناناً لم يجده إلا في الصالات التي يكون سيّدها؟ من سواه ينتظر حناناً سوى ذلك الذي ظل على رأس قائمة المطلوبين في كل منافذ الوطن العربي، باستثناء بلدين أو ثلاثة؟ من سوى مظفر النوّاب، (جرير) عصره في نسخته المعدّلة شرفاً وموقفاً وإباء وأنفة وعزة؟ ومعاذ الله أن نشبّهه بمتسلق متى ما رأى الأعطيات تترى يخرس لسانه ويتحول إلى بوق، وحين تدبر يعج بالبذئ من الكلام. والنوّاب أبعد عنه بعد المشرق عن المغرب.
لم يقبل الرجل عبر تاريخه المشرّف أي وهم من أعطية، ولم يساوم على القضايا جميعها: الصغير منها والكبير. ظلت القضايا المصنّفة على أنها صغرى، في الذروة من اهتمامه، وظلت القضايا الكبرى نذْر حياته ووقفاً لها، وصدّاً ودفاعاً ومنافحة عنها.
مظفر النوّاب، بكل تاريخه البسيط والمركّب معاً، نقطة فراق وتلاق. فراق لأن كثيرين يجدون فيه مشروع ازعاج وكشف لتسلّقهم وانتفاعهم وانتهازيتهم، وتلاقٍ لأن بعضهم كان معه على طريق ذات الشوكة.
أما عن تاريخه البسيط، فبسيطه صعب (فقط اقرأوا السيرة المرفقة بهذا الملف، وإلى من ينتمي هذا الرجل) وصعبه بسيط، بالنسبة إلى الذين نذروا أنفسهم للإنسان، بغض النظر عن انتمائه ولونه وجنسيته وقضاياه. يلتقي معه قليلون. لكن ذلك القليل يثبت أن النوّاب يتوغل في نبوءته ورؤيته بشكل مزعج ومقلق أحياناً. مزعج لأن الشعر الذي يطلع به على الناس يثبت أن أكثرهم على رأسه "بطحة"، ومقلق لأنه مع كل نص تضج به القاعات، ويصاب فيه الجمهور بحالات من الانهيار والمس، تتيقن أنها أمسيته الأخيرة، وعليك أن تشيّعه وهو حي يرزق!.
في ثمانينات القرن الماضي في البحرين، كان مجرد اعتقال شخص يتم تفتيش منزله (غرفته) ويعثر بالصدفة على شريط صوتي للنواب، كفيل بزجه في غيابات جب وزارة الداخلية (القسم الخاص) لثلاث سنوات من دون محاكمة، فيما يعرف بالسجن الإداري، وهو حق كان ممنوحاً لوزير الداخلية السابق، الذي لم يتردد في تفعيله بدقة واحتراف!. ومع ذلك لم نتردد من جانبنا في التسابق على نسخ أشرطته الصوتية، بل قامت بعض محلات التسجيلات الاسلامية بنسخ أشرطته وبيعها بسعر مضاعف، فيما البعض من أصحاب تلك المحلات عمد إلى إجراء مسح ضوئي لملامحنا! فإذا شعر باطمئنان لأشكالنا يخرج الشريط وينسخه، وحدث أن بعض الأشخاص كان ماسحهم الضوئي معطوبا، بمعنى آخر، كان الأشخاص المترددون على تلك المحلات ملغّمين، يخرجون بالشريط من هنا، وتداهم قوات وزارة الداخلية منزل صاحب المحل بعد الساعة الثانية فجراً!!! عدا عن اقتحام محله وجعله قاعاً صفصفاً!.
عرفنا الكثير ممن اقتحمت منازلهم وخرّبت محلاتهم، ولكننا لم نتردد لحظة في نسخ النصوص الصوتية التي ستلقي بنا إلى التهلكة!!!... كانت تهلكة نعلم معها بأننا سنكون في الجهة الأخرى من الموقف. الجهة التي ستطول بها قاماتنا ووعينا ومداركنا ومواقفنا في الحياة.


الثلاثاء، 20 يناير 2009

الحروب الدائمة والتهميش الدائم




أن يتم اختيارك سفيرا للنوايا الحسنة للمفوضية العليا للاجئين، فذلك يعني اتكاءك على رصيد ملفت من الانجازات والمواقف على الصعيد الانساني، من دون تمييز، وهي إنجازات ليس بالضرورة أن تكون مرتبطة بمخيمات اللاجئين أو الحملات المضادة لزرع الألغام، بقدر ما تفصح عن نفسها في نبل الهدف والتوجه، يضاف الى ذلك أن الأشخاص الذين تم اختيارهم، يمثلون عناوين ووجوها مؤثرة في مجتمعاتها، ما يدفع الأمم المتحدة الى انتخابها لتلك المناصب.
واحدة من أهم الوجوه والأسماء التي تم اختيارها لهذا المنصب، الممثلة الأميركية انجلينا جولي، اذ نشطت خلال سنوات في تبنيها لجانب من ملف اليتامى في إفريقيا جرّاء مرض الأيدز.
الملفت في مواقف جولي الأخيرة، والتي جاءت متسقة مع توجهها الإنساني الملفت، انتقادها – ضمنا – احتلال الولايات المتحدة الأميركية للعراق، مركّزة على الشح والبخل الأميركي الذي لا تكاد مساهماته تذكر على الصعيد الإنساني، فيما طلب الاعتمادات من الكونغرس يصل سقفها الى عشرات المليارات من الدولارات لتمويل تواجدها في المناطق التي تحتلها، وتعيث فيها فسادا.
جولي قالت خلال استضافتها في البرنامج الخاص الذي بث على قناة "سي ان ان "بمناسبة اليوم العالمي للاجئين، انها في كل مرة تزور فيها واشنطن لدعم قضية اليتامى في إفريقيا، كان الرد في غالب الأحيان:" نحن في حرب".
مثل تلك المواقف تدفعنا دفعا لأن نمعن النظر في التفريق بين سلوك وأخلاقيات الادارات الأميركية المتعاقبة، ونظرتها وتعاملها مع شعوب العالم وحدوده وثرواته، وبين أطياف من الشعب الأميركي يظل الحس الانساني لديها حاضرا، ويقظا، ومتعاطفا مع مجمل قضايا العالم المستهدف من قبل حكومتها. وإزاء منطق واشنطن لجولي وغيرها، ستظل الحكومات الأميركية في حروب دائمة، وسيظل تهميش قضايا واحتياجات العالم خارج حدودها في تأجيل دائم أيضا.

مقاربة لعضلات الغابة وعضلات السلطة والمال





تفاجؤك الإمكانات والموهبة الكبيرة التي يتمتع بها الممثل البريطاني أنطوني هوبكنز. منذ عمله الأشهر "صمت الحملان"، أصبح اكتشاف امكانات الرجل ملازماً لاكتشاف القدرة التي تتمتع بها صناعة السينما في تقريب كثير من المفاهيم ومعالجتها بعيداً عن التكرار والسذاجة وإعادة الإنتاج.
في واحد من أفلامه التي لم تحقق نجاحاً كبيرا، مقارنة برائعة "صمت الحملان"، وأعني به (The Edge) أو (الحافة)، يلعب هوبكنز دور بليونير شهير محاط بكل صور البذخ والسلطة والإمكانات، يقرر الخروج في رصحلة صيد بري، بمعية ثلاثة من العاملين معه ، هما أليك بالدوين، و إيلي ماكفرسون. يصل عبر الطائرة الى المنطقة التي سينطلق منها لرحلة الصيد، حيث قاعدة الانطلاق ، منزل (كوخ). في الكوخ تتبدى إمكانات هوبكنز الثقافية والمعرفية من خلال رده على أسئلة الحارس أو الدليل المعني بالمنطقة، معرفة واسعة تتعلق بثقافة وتراث ورموز شعوب تكاد تكون منقرضة. في الصباح الباكر يستقل طائرة أخرى الى حيث المنطقة التي ستدور فيها أحداث الفيلم... تتعرض الطائرة خلال الرحلة الى عطل مفاجئ ما يؤدي الى تحطمها في منطقة نائية قبل بلوغ المكان.
ما لم يلحظه أكثر المشاهدين ، هو الترميز الذي أراد من خلاله كاتب السيناريو والمخرج أن يتركه في ثنايا العمل السينمائي كواحد من المفاتيح المؤدية الى فيهم الحمولات التي يكتنز بها الفيلم. صورة الكتاب/ الدليل الذي يحوي معلومات تمكن الانسان من البقاء وحسن التصرف في حال تعرضه الى انقطاع طارئ عن العالم... هو ذاته الكتاب/الدليل الذي حرص هوبكنز أن يكون مرافقاً له قبيل أن يغادر الكوخ باتجاه منطقة الصيد. لا يتمكن هوبكنز من أخذ الكتاب معه لحظة تحطم الطائرة ، وتسلط الكاميرا عليه في لقطة جد قريبة، في محاولة الى إيصال ما يشبه الكبسولة: ليس كل ما تتعلمه يمكنه أن يخلصك من ورطتك... مواجهة الورطة ضمن لحظتها وساعتها قد يكون كفيلاً بخلاصك.
لا شك أن أكثر مشاهد الفيلم إثارة هي لحظات المواجهة التي تحدث مع دب عملاق، مواجهة تراوحت بين المطارة لهوبكنز، بالدوين ، وماكفرسون يفقد على إثرها ماكفرسون حياته لحال عجز من جهة أصيب بها في تحطم الطائرة، وسقوطه فريسة الدب من جهة أخرى.إلا ان تلك الإثارة كانت تسعى لتمرير مجموعة من القيم التي تبدو مشتركاً إنسانيا لا يختص بأمة من دون غيرها، قيم ترتبط بالمال والقوة والسلطة والخيانة، والجشع واستغلال النفوذ... الخ. ومرورها بحال من العطب أو العجز، بحيث تتحول وفرة المال في مكان وزمن مختلفين الى ضرب من الفاقة والحاجة ( خصوصا مع صور البحث عن الطعام بأي شكل من الأشكال)، والقوة الى ضعف، والسلطة الى استسلام وانقياد، والخيانة في ظل حال من المراجعة والمواجهة الى عودة - وإن جاءت متأخرة – الى الذات. فحتى المعرفة تتحول الى جهل فادح في ظل حال من الصدمة.
يمكن القول أن الثيمة الرئيسية التي يتحرك من خلالها الفيلم وأبطاله تتحدد في السلطة والقوة ، فيما موضوعة المواجهة هي المحك الأول لتحديد وجه ومسار تلك القوة. وثمة أيضا "كبسولة" مشتركة يراد إيصالها الى المشاهد، وهي القواسم المشتركة للصراع بغض النظر عن المكان الذي يدور فيه، ففي الوقت الذي تتحدد فيه أدوات القوة في صراع المدينة من خلال المال والسلطة ، وهما شكل آخر من أشكال القوة ( عضلات المدينة)، تتحدد القوة ( العضلات) والأدوات الأخرى المساعدة كوجه آخر من وجوه القوة ضمن اشتراطات المكان والبيئة.
والخيانة التي تتضح ملامحها، تلك التي مارسها بالدوين مع زوجة هوبكنز، تكاد تكون ملازمة لبيئة تحتكم الى المال والقوة والعلاقات المتداخلة من دون فرز ومن جون معطيات أخلاقية تحدد مساراتها، فيما هي في الغابة على الطرف النقيض، ولا وجود لها اصلاً. بصيغة أخرى ثمة وجهة نظر يريد الفيلم تكريسها أو الإصرار عليها بالقول: إن كثيرا من المعطيات المدنية ما هي إلا صورة معدّلة لصورة الغابة في جانبها الأسود، والخارج على السيطرة، فيما الغابة وبعيدا عن تدخل الإنسان وقوته وسلطته تظل المكان المثالي لمن يريد الاحتكام الى شروطها.

السينما العربية ونظام السوق



في السينما العربية لا يشترط أن تُخضِع وزنك الى المخرج كي يتناسب مع الدور. في السينما الأميركية يمكن أن تجد نفسك عاطلا عن العمل في حال أخللت بذلك الشرط.
في السينما العربية يشترط أن تكون وسيماً بالوراثة، وإن كنت بليداً وغبياً وساذجاً بالوراثة، كي تؤدي دوراً مهماً، في قضية أكثر أهمية. باستثناء عبلة كامل، أحمد زكي، ويحيي الفخراني. وما عدا الثلاثة، كل الشروط والمواصفات قابلة للسقوط والانهيار.
محمود عبدالعزيز ممثل من الوزن الثقيل في أدائه، وكذلك عدد الكيلوغرامات التي يحملها. وعلى رغم تجاوزه الستين عاما، ما زالت الأدوار التي يؤديها، من المفترض أن تذهب لابن عشرين مع وزن لا يتجاوز الستين كيلوغراما، فيما عبدالعزيز يتجاوز التسعين كيلوغراما بكثير، ولا يزال يؤدي دور المراهق الوسيم.
يحيي الفخراني هو الآخر خارج شرط السينما العربية التي لا شرط لها، ما دامت تراهن على الجمهور الذي لا يعبأ كثيرا بسن ووزن بطله، والأهم من كل ذلك، ما دام المنتج والمخرج يعيان أصول اللعبة عربيا.
القبح... الوسامة... الرشاقة... البدانة ... مواصفات لا مكان لها في منظومة الصناعة السينمائية العربية – إلا ما ندر – وما ندر لا يعبّر بالضرورة عن اقتناع بالموهبة بقدر ما يعبر عن توفر يقين لمردود تلك الموهبة.
علينا أن لا ننسى ليلى علوي، فهي الأخرى تكاد أن تنفجر وزناً، ولكنها تكاد تضمحّل أداءً وإقناعاً فيما يُسند اليها من أدوار، ومع ذلك لا يزال المنتجون والمخرجون متمسكين بها تمسك أحدهم بورقة ياناصيب يتيمة في سحب مات المشتركون فيه ما عداه!.
سينما بتلك المواصفات والذهنية في اختيار نجومها، لا تبعث على الشفقة حين يُشفّر أحدنا المحطات التي تطلع علينا بنماذجها، لأننا في النهاية لا نريد أن نلقي بأنفسنا الى التهلكة!.
وعلينا أن لا ننسى فيفي عبده في هذا الصدد. لم تعد لياقتها في ملاهي الليل، قادرة على إقناع سجين في زنزانة انفرادية يقضي فيها حكماً بالسجن المؤبد، على اضافته الى رصيد مشاهديها ومعجبيها. لذلك اختصرت الطريق فلجأت الى أسهل الطرق وأقصرها الى النسيان: المسلسلات!. فإذا كانت السينما العربية عاجزة عن حفر مكان لها في ذاكرتنا خلال العقود الثلاثة الماضية – باستثناء أفلام لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة – فمن الصعب أن تحقق المسلسلات العربية الرتيبة والساذجة مثل ذلك الحفر في الذاكرة.
ويونس شلبي الذي حقق حضورا ملفتاً لسمنته من جهة، وأدوار السذاجة التي أوكلت اليه في مسرحياته الأولى، من جهة أخرى، يلتمس ابنه تدخل الحكومة المصرية للوفاء بفواتير علاجه التي تجاوزت 70000 ألف جنيه مصري، لأنه خرج من "مُولد" الأضواء بلا "حُمّص"، ولأنه ببسيط العبارة أعلن عن انطفاء موهبته مع العرض الأخير لمسرحية "العيال كبرت"!.
هياتم ليست نجمة قبل أن تنفجر بالوزن، وحين تجاوزت الخط الأحمر، بات عليها أن تلعب أدوار الإغراء، ومن دون تلك الأدوار ستضطر الى أن تشحذ في الشارع، أو أن تتحجّب! تلك هي قوانين ونظم السوق السينمائية المصرية.

أعماقي وصروحي



أحتفلْ بالجرحْ
واتركْ لي مكانٍ ما يسدّه
غير جرحٍ آتعلّمْ منْهْ
كيفْ ابْدا جرُوحي...
وِانتْ يا أصْل "المدى"
واحيان: أعماقي
فديتك... هدّ ما طالتْ يَدِكْ منّي... وأعماقي وْصُروحي...

الريحْ فـَ اقدامي



صباحْ الساعهْ ورْد وْفُلْ...
إذا وجهكْ غسَل هالمَا:
"يشوف" الشارع "الأعمى"
واذا غبتي:
مساء الساعهْ هَم وْذلْ...
***
متعوّدِكْ تخطي...
وْمتعوّدِكْ في مْواعدي لك ما تجي
وانْ جيتِني: تبطي...
***
سهرانْ هذا الصبحْ...
والليل في نُومه...
جيتكْ فرَحْ له كل ملامح جَرحْ
كنّه قَبُرْ تنشدْ عنْ عْلومه...
***
قالتْ: صباحْ الخيرْ...
من بعدَها "الدنيا" غدَتْ:
"جَنَّه" ثمَان نْجومْ...
ومن بعدَها... وشْ بعدَها؟
الله على هاليومْ...
***
تتذكّر طْعوني...
واتذكّر طعونكْ...
"عقلي" غدى بعضكْ
واصبحتْ "مجنونكْ"...
***
هالشارع المنسِي:
شحّاذ... بنتٍ ضايعه
وطفله على كرسي...
وجه الرفاه... الكِذْبْ...
صوت الوهَمْ هالعذْبْ...
***
قرفانْ هالعِيشَه...
ثوب "الحرير" اللي كساه "بْـ "ليل"
"أصبح" اثَرْ "خَيشَه"...
***
أبسْأَلِكْ: وشْ قصةْ البروازْ؟
وشْ قصةْ الورده على بابكْ؟
وشْ قصةْ عْتابكْ؟
ما شفتِني من عامْ...
باسرجْ لك اوهامي: صباح احلامْ...
***
أقرا "أبُوالطيّب" (1)
والريحْ فـَ اقدامي (2)
هذا القلقْ شُرْفَه...
شُرْفَه على ايامي...


ــــــــــــــــــــــ
(1) أبو الطيب المتنبي.
(2) امتثالاً لقوله: على قلقٍ كأنَّ الريحَ تحتي.



السما جبهه

تلعنْ أبو التاريخْ...
وحدودنا ما ملّتْ التفريخْ...
ما ملّتْ الجزمه ودبّابه...
هالكونْ غابه من إدانه ... ليل سبّابه...
تلعنْ "أبو" الفكره...
افضل تموتْ مْن الغبا
ولا تنتهي في "أم" هالحفره...
***
الحقيقه حالمه...
والحقيقه في بَعَضْ أحيانْ:
فظه... ظالمه...
كم نحاولْ نبْتسِر هذي الجروحْ...
نكتشفها كل بقايانا وكل اطلالنا:
عز وصروحْ...
لعنبو اللحظه إذا قرّرْ غبي:
ان "المنايا" "سالمه"...
***
الخيانه ما تملْ منّكْ
ولا تزعلْ عليكْ...
الخيانه: دفتركْ... أمسكْ
صريحكْ في رخَا...
الخيانه: عجزكْ اللي تحسبهْ:
فيض وسخا...
***
السلامْ اللي تلوّح به حمامه...
السلامْ المنكسِر من طعنته أمّي
ومن أيامها تضوي ظلامه...
السلامْ ... النحسْ ذكّرْني
بحضنٍ ممتلي بالغلّ
تمطرني سْهامه...
***
وش مرَضْ هالذاكره؟
وش مرض هذا "المحيط"
اللي تذلّه "دائره"؟

السُور.. وعنوانكْ المهجورْ




عنوانك المهجور
رحت أسأله عن قصّتك

فجأه .. بدا لي سور!

يا سور وش قصة عذابه صاحبي؟

ضاق الفضا .. وهم ضاق بي

جيت أسألك :

ما شفت صوته مَرّ بك؟

كان أعذب اعذب من حياه

والورد لا جا يقطفه

فزّ وتعنّى وابتداه!

عنوانك المهجور

رحت أسأله عن قصّتك

وياليتني ما طحت في المحظور!

قال اشتمل غيمه وسرى

ومن يومها شبّت سهول

وتكاثرت بعده ذرى

* * * *

يالباب يالمخفي عن العابر

ليه اجهل حدودك وانا

مجهول في حَدّي ؟؟

ليت الدروب تعافني

في هزلي وجدّي

جيت اعبرك.. واثْركْ ترى العابر!

* * * * *

كم مرّة أخفي هالمدى
عن ناظرك حتى تشوف؟
كم مرّة أحلف ما أجي ... لكن أجي
كلي فزع .. لهفة .. وخوف
ليه انت من بدّ البشر
لا جيت تخطي .. اعتذر؟؟
ليه انت من بد البشر
قدّام ضعفك انكسر ؟؟
* * * * *
قلت : انتظر بكره ..
وبكره وبعد بكره ..
يمكن يجي في خاطر العنوان..
في خاطري المكسور!
ياللي تمنّيت أحضنك لهفة لقا
ما ضمّـني وما شفت غير الوحشة
غير السور
وعنوانك المهجور!



***



معزوفتي في ليل ممطر جَاتِني



ويا دُوبْ كنتْ أعرفْ ملامحْ صوتَهَا



وينكْ يا معزوفةْ شِتَايْ؟



أصرخْ دِفَا منّكْ...



أنا الغريب اللّي خَذَاهْ الهَمْ منْ حضنكْ...



ليتكْ تعرفيني عَلَيّ...



همّي قَرَا همّكْ...



من قبل لا اضُمّكْ...

الشبابيك




هالقلوب بما حوت
من همّها واسرارها...
مثل شبّاكٍ توارى
فيه شالك والحرير
وعينك اللي صبحها فـِ نْعاسها...
***
قال طير الـْ هالشبابيك: افتحي...
قال شبّاك الولَهْ: رفرفْ ترى جرحي صِحِي...
***
العيون اشبه بهاك اللي نحدّه في السما...
العيون اللي تموج بـْ هالعرا
ماي وظما...
***
كلما قلت: اتركي الشبّاك
مفتوحٍ على صمت الزوايا
قالت: اترك لي هديل وريشتين
ورتّب آفاق المرايا
وانْ طرى لك جرح
لا تنسى تلملم ما تبقّى لي
من احلام وشظايا...
***
هالسهر راحة تعبك المستريح...
غافلتك البهرجه
واعمتْك عن شبّاك ريح...

أرتّب لانتظار مّا




سأعيد ترتيب النهاية كيفما شاءت
أوزّع قبّعاتٍ ملؤها الحنّاء والصبر الشحيح
أمرّ هذا اللغز
كيما أستردّ صوابه نحوي
أرتّب لانتظار مرَّ
لا جدوى من الضوء المقيم هنيهة
دعني أقل: عطر يروّج
ما تبقى من نهار فضائح
هو محْض قبر عبّأته ظروفه
في صورة الأنثى...
وانّ الجسر مسكون بوهم عبوره الأبديّ
والمصباح آفة وقته
وكلام سيّدة قبيل دقائق من نومها
تعبٌ كرائحة الشكوك
وفكرة في الحلْق: حملٌ كاذبٌ
ياليت تتفق الكهوف وغصّة الصحراء
ياليت "النظام" يعيد ترتيب انقلاب مّا
على "فَلَتاَنهِ"
***
ليديك... للطقس التعيس
لهمسك النبوي
للجيل المصاب بوعكة الأنفال
للمدن المريضة باشتعالٍ
لا يمس فضاءها النِّفطي
للأرض القبيحة حين تعلن
انها في الأصل "سُبّاطٌ" رخيص الصنع...
للحرف .. الزنى الأبدي بالكلمات
للخبز المضمّخ باستقالة متخم من حسّه
للشمع في ساديّة الأوقات
للشك النبيل وللضلال...

اطمئنوا .. لن يتأخر الخراب !!





مكتوب على باب بيته :
الإخوة الضيوف :
تلك فرصتكم كي تتحولوا الى لصوص !
***


سخي .. كهواء معلن
منكسر .. كعيد مؤجل
معلن .. كضريح !!
***
هل سيجد المتسولون
ارصفة بحجم أوهامهم المحتملة ؟
***
للخراب مجده
وللهندسة عارها !
***
أقسم بالبريد
حين يهجرني الأحبَّة !
***
ارتكِبُوا مزيداً من الحماقات
إنْ أردتم إنقاذ العالم !
***
الأجنحة وفيرة
غير ان الفضاء شحيح !

اغفري لي يأسي



أي امرأة تلك التي تدعني
نهباً لأوهامها وصحوها؟
***
لا أحد يشبهها
سوى وحدتها في ليل
أنا بعيد عنه...
***
تكاد تحتوي كل شئ
حتى الحدود المؤدية إلى الغيب...
***
نهر من نار
تظل تصر على ختم استفزازها الجميل لي...
وأظل نهراً من نور
كما تدّعي...
***
سبعة عشر ربيعاً
وأربعة عقود أحصيت البياض فيها
فلم يتبق لي إلا ما تركته السنون
في عين كأنها مغارة خاوية على نهارها...
***
إلى متى سأظل قادراً على النسيان؟
على الغفلة؟
لا يستبدّن بك الأمل طويلاً...
***
لا شئ يشبهك...
لاشك في ذلك
ولكنني مازلت عاجزاً
عن المضيّ قدماً
في درس الإعجاز ذاك
فقط أريد أن أتمكن
من حقي في الحياة بك!
***
جرعت من الغصص
ماتنوء به كواهل القدّيسين
ولست قدّيساً كي أدّعي القدرة
على مجاراة الأمر...
هل عليّ أن اقتل ما تبقى من حواسي
كي أكون كما يجب؟
***
أنتظر الساعة الثانية عشر
كمن ينتظر القيامة
وهو على غسل ووضوء
الساعة تشير إلى الثالثة
ولا أجد إلا بقايا حضن
في مكان قصيّ من الأرض...
***
اغفري لي يأسي
حاولت أن أكون وقحاً
في أملي فلم أستطع...
***
لم يتبق إلا عام واحد...
عام واحد كي أستطيع إنهاء
نصي الذي أجّلته مراراً
ولكنني لن أجد الوقت
الكافي كي أؤجّلك
لأنك أكبر من الوقت...
***
لا أملك يأسي...
ماذا بعد؟
أحاول أن أكون
على قدر هيبة النص الذي ورثته
من سنوات الضياع والغربة
ولكن ذلك لا يكفي
ربما عليّ أن أكون وفيّاً
لما هو أبعد من ذلك...
أن أكون وفيّاً لكِ...
***
انتظرت حتى الساعة الثانية عشر
أحسست بوهج ما
لم أقو عليه
لذا لذت بالنوم ... عليّ أن أنسى
ولكنني لم أسلم من الوهج نفسه
ثمة حلم لخّص كل تلك التفاصيل
لم يعد النوم سنّة طبيعية...
السهر هو الصفة...
أن تظل متسمّراً في مكانك
تقرأ نصوصاً لا تتذكر أصحابها
ولا تتذكر تفاصيلها
فقط لأن امرأة تقتحم كل ذلك
فتحيل النصوص إلى محض هراء وسراب
لأنها الأصل...
لأنها النص الذي لم يكتب...
لم يقرأ بعد...

أدعية من حنين



لا تخف يا أبي
حين تمضي الشعوب الى نومها
سوف نمضي الى النوم
حزنا أشد من الحزن ..
لا تكترث يا أبي
فكل الجهات التي قيل فيها الكثير
تناهت الى ظلنا ...
وكل الخيول التي قيل فيها الكثير
تداعت على سور أوهامنا ...
وكل الحروف التي قيل فيها الكثير
استبيحت على بابنا ...
حين تمضي الى النوم لا تكترث
اننا لم نعد بعد من موتنا ...
وصاياك رتب
وخل النوارس تأوي الى
عينك الذابله ...
وخل الربابنة الميتين سراجا
من الفكرة الآفله ...
وخل النخيل ترتب هذا الفضاء الحليبي
في الليل
يا أبتي كنت فظا مع الأصدقاء
وبستان أدعية للعدو
وكنت تضمد جرح الشبابيك
من وحشة العابرين
وكنت تروض في روعة خيل أحلامنا ...
يا أبي
حين رحت الى النوم
كنا على موعد والمطر ...
حملنا اليك الحجارة وردا
وأدعية من حنين ...

أكاديمية اللصوص



(1)


يتقمص شكل الجبل
فيما هو ضالع في الغبار !!
***
مصاب بداء الرواج
فيما هو ضالع في الكساد!!
***
يدمن قراءة التافه من النصوص
وحين يبدأ كتابة نصه
يؤكد تلك التفاهة !!
***
مصاب بهاجس الأمن
فيما هو عرضة للعراء!!
***
يتحدث عن الأمانة
فيما هو أكاديمية لتخريج اللصوص !!
***
طالما تمنى أن يمتلك جناحين
فيما هو عيّنة من تراب !!
***
يفاجأ بأصوات ترفض لا مبالاته
يقرر أن يفاجأهم :
قرر أن لا يبالي !!
***
يقرأ تروتسكي…
يعلق صورا لجيفارا…
في الوقت الذي يكون فيه
ماكارثي مثلا الأعلى !!
***
حين يقرأ الصحيفة
يبدأ بأخبار الوفيات
ليتأكد أنه ما زال حيا !!
***
(2)
أرتب فوضى الخليقة كي تستقيم…
أرتب عافيتي في المساء السقيم !!
***
أعيد امتحان الأسى في ذهول…
أعيد امتحان الندى والمدى
في انتحار الفصول !!
***
تتوسل تلك الشفيفة حد الشجن…
تتوسل معلنة فيضها المصطفى
لتتركني فكرة في مهب الزمن !!
***
أرتب وجها يليق بأغنيتي في المساء…
أرتب روحا محلقة في المدى والردى والهباء…
أرتب فوضاي كي أدّعيني وكي أدّعي
أنني أول الأشقياء…
أنني آخر الأتقياء…
***
للعراق الجنائز والحزن والأمنيات…
للعراق الضياع على هدْيه
للعراق الجهات…
للعراق ابتداء الصفات…

الإمساك بالقلم خطيئة دينية


الإيقاع اليتيم لا يصنع سمفونية، والرتم الواحد لا يصنع تمازجاً واندغاماً. التنوع والتعدّد في الايقاعات والألحان صنع – ويصنع - ما يترك المرء سابحاً في أجواء وطقوس ومناخات تتجاوز الأسطورة والمعجز بمراحل.
الإنجاز الإنساني بمجمله لم يتحقق بتصدّي جماعة أو أفراد لتحقيقه، بل تحقق بتظافر المخيّلات البشرية وما ينتج عنها من مبادرات وطرائق وأساليب خلاّقة حققت للجنس البشري ما تحقق، على رغم ما شاب تلك المبادرات والطرائق والأساليب من انحراف عن الهدف النبيل والسامي الذي من المفترض أنه وُجد من أجله.
والذين ظلوا ينظّرون لعقود بأحقية سيادة شكل واحد، ونمط واحد اكتشفوا أنهم يمضون في الطريق المضادة للفطرة الإنسانية، ويمضون في طريق الحجّر على جمالية التعدّد وقدرته على الكشف عن الكامن والمؤجل والمسكوت عنه.
كل دعوة إلى الشكل والنمط الواحد، دعوة لإرجاع الإنسان إلى إيقاعه الأول والوحيد: البدائية، والعزلة، والتكرار، وإعادة الانتاج، وذلك هو ما تعانيه مرحلة من المفترض أن تكون من أهم المراحل التي تم تجاوزها في تكريس الشكل والنمط والإيقاع.
ما يحدث اليوم في راهن الانتاج الابداعي العربي يذكّر بالسلوك والممارسة الأولى والبدائية. حروب تشن هنا وهناك على كل محاولات الخروج على الوصاية. سواء وصاية الشكل والنمط، ومن ثم وصاية التاريخ، أو وصاية المكان والجغرافية التي تفرض في كثير من الأحيان أنماطها وأشكالها وشروطها، بحيث يصار إلى تأبيد المستقر في ذلك التاريخ، ما يستدعي ويستلزم العمل على إقراره أيضا في ذاكرة المكان. كما انه هو النمط والشكل ذاته الذي تفتقت عنه ذهنية أحد السلاطين في بدايات القرن الماضي في أحد مراسيمه التي لا تحتاج إلى أن يضيّع أي باحث وقته في تشريحها وتفكيكها لأنها تعبّر عن ذهنية وعقلية ما زالت قائمة ومستقرة:
"لبس الحذاء ممنوع. الخروج إلى الشوارع بعد الغروب من دون فانوس ممنوع. التجوّل مساء ممنوع. التدخين ممنوع. القراءة ممنوعة. التدخل في السياسة ممنوع. بناء المستشفيات ممنوع. استعمال النظارات الطبية والشمسية ممنوع. دخول الصحف ممنوع. بناء المدارس ممنوع. استخدام التيار الكهربائي ممنوع. سماع الموسيقى ممنوع. مسك القلم خطيئة دينية. بناء منزل أو امتلاك راديو أو دراجة نارية أو شراء علبة متوسطة من السمن الحيواني، أو صيد الأسماك لا يتم إلا بإذن خطيّ".



الاشتغال على الأمكنة... الذاكرة



أشرت في قراءتي لكتاب "ورشة الأمل" للشاعر البحريني قاسم حداد، الى ان حداد يفتح أفقا يستدرج من خلاله الدارسين والباحثين خصوصا في المجالين السوسيولوجي والأنثروبولوجي وذلك من خلال السيرة التي تضمنت في مشاهد منها أمكنة وشخصيات واشتغالات عرفت وتميزت بها جزيرة المحرق، وهما مجالان لم يتم ارتيادهما بعمق واهتمام حتى هذه اللحظة.
حصيلة مثل ذلك الاشتغال الذي تفتقر اليه مكتباتنا وجامعاتنا، بات ملحّا وضروريا باعتباره جزءا لا يتجزأ من ذاكرة الحاضر من جهة والامتداد والتطلع نحو المستقبل في ظل تهديد بدأ يحتوي ويغيّب جزءا من ذاكرة تلك الأمكنة من خلال مشروعات جاءت تحت أكثر من مسمى وعنوان، مرة تحت مسمى سياحي وآخر ترفيهي. بحيث بدأت تلك الأمكنة تعج بالجزر الاصطناعية التي اما انها تحققت على حساب الأحزمة الخضراء أو على حساب البحر الذي يبدو أننا سنحدث أحفادنا عنه لأنه لن يقدّر لهم أن يروه!.
بدأت بوادر اهتمام وإنْ بدرجة متواضعة من حيث المنهجية في رصد وتسجيل ما تبقى على ألسنة كبار السن من جهة أو ما توافر من اشارات في عدد من المخطوطات لبعض ملامح وصور تلك الأمكنة وبشئ يسير من تفاصيلها تتعلق بالرجال والمهن والعادات والتقاليد، وتتركز تلك البوادر والعلامات في المواقع الالكترونية لبعض القرى والمدن والتي تم تدشينها في العامين الماضيين مع بدء مرحلة الاصلاح التي دشنها عاهل البلاد المفدى، الا انها تبقى قاصرة وغير منظمة في مضمونها وصدقية مصادرها ودقتهابحيث يمكن للباحث أن يلتقطها باطمئنان .
ان مشروعا كالذي فتح حدّاد أفقه لن يتحقق الا بتضافر جهود أكاديمية وبحثية تنطلق أولا من قاعدة تمويلية من جهة وشفافية واستقلالية من جهة أخرى.

الإرهاب لا يصنع معرفة



كل إرهاب، مشروع قبر مفتوح على المنجز الإنساني.

***
لإرهاب لا يصنع معرفة، بل يصنع شعوباً سهلة العطب، سريعة الإنقراض.
***
الإرهاب لا يؤمن بالذاكرات الأخرى، إنه يدشّن ذاكرته، ويعمّمها في درس القتل والنسف والمصادرة.
***
بهذا المعنى، الإرهاب مشروعٌ لنسف الفروقات القائمة بين الجنس البشري وبقية الكائنات الأخرى. ألا تتجلى حينها الفوضى، وتلاشي المنجز البشري، وعودته الى ما قبل اكتشاف النار؟.
***
لا ينحصر إرهاب الدولة في أجهزة الأمن، اذ يظل ذلك الإرهاب كامنا في أجهزة قد لا تخطر على بال، بدءا بالإعلام، والبيئة، والتثقيف الصحي، وليس انتهاء بتعاطيه مع مفهوم العدل!.
***
تلك الأجهزة تنتج بالضرورة شعوبا مهيئة للصدمة لبعض الوقت في حال استراحت مكنة إرهاب الدولة من الدوران، وهي استراحة يتطلبها استئناف أي نشاط يراد له التصعيد وتراكم انتاجه بحسب تقديرها!.
***
السكوت على إرهاب الفرد، يمهد للرضى والإيمان بإرهاب الدولة، اذ كل إرهاب – مع تعدد مظاهره وصوره ومسمياته - عقيدة تسعى لزعزعة الإيمان بما عداها من عقائد!.
***
الآلة التي تمارس الإرهاب لا خيار لها... الخيار الجزئي بيد موجهها، لا خيار كليا للقائم على دور الآلة ووظيفتها، اذ الفكر الذي يشكله ويحركه ضمن دائرة الإنتماء هو الذي يوزع الخيارت ويوسّعها هنا، ويضيّقها هناك، ويحجبها هنالك.

الإرتهان إلى التاريخ



سيمارس التاريخ قسوته على الذين يدَّعون أنهم لا يعرفون. سيقسوا على المتغافلين، على اللاّ "أدريين". على الذين اكتفوا بمكياجهم، مطلين على شرفة لا تاريخ ولا حاضر ولا مستقبل ولا جغرافية لها.
هذا الكلام ينسحب على القادرين على ضخ دماء جديدة في البلاغة العربية، والنص العربي، والمشهد العربي، والحراك العربي، والرفض العربي، وحتى القبول العادل والمشرِّف والداعم لمسيرة العرب.
من القصيدة الواعية لشروط اللحظة، إلى القصيدة الذاهبة في غور الزمن والمستقبل. من التعليق السياسي القارئ والمتنبئ بالثغرات والإنكشافات، إلى التعليق الذي يرمي بإفادته تنبيهاً لمنزلق وشرك ما.
لا أحد بمنأى عن المساءلة. من العاطل في مقهى، واستمرأ تلك العطالة، فيما هو قادر على الفعل ومابعد الفعل، إلى المصابين بداء اليأس في المقاهي السياسية، وحتى مقاهي "البغاء" و"الغباء" التي قادتهم إلى الانحياز إلى عطْل رأوا ضرورته. إذ ثمة من يرى ضرورة قصوى لمثل تلك العطالة والبطالة، في ظل تجميد لا يقتصر على الحجر والمدر، بل يطول الإنسان.
فقط، راقبوا الخريطة. الخريطة التي يراد لها أن تتحوَّل إلى "كعكة" عرس مفترض، يحق لأي متطفِّل على المكان والزمان، عدا "المعازيم" أن يحدِّد حصته منها. وليس بالضرورة أن تكون القسمة عادلة. إذ أكبر الظن أنها قسمة "ضيزى".
لا أعني بالخريطة حدوداً، ونقاط تفتيش، وإبراز جواز سفر أو هويَّة أو وثيقة. كل ذلك تحصيل حاصل. أعني تلك الإهانة المقيمة، والمجنَّدة لها جيوش للإمعان في تعميقها. تعميق إهانة المقيمين قبل العابرين في هذا الزمن الموبوء. تعميق إهانة أبناء السبيل، والذين من دون وثائق تدل على انتمائهم إلى هذا الكوكب اللعين. اللعين بامتياز!
فقط، أخاف أن نكون مرتهنين للتاريخ. وأي تاريخ؟ تاريخ ليس بالضرورة أن نكون طرفاً في صوغه بعدل وإحسان وشئ مما تبقى من ندى الضمير. تاريخ يحدد ملامحه وشروطه ويصوغه رجل خرج للتو من خمَّارة أو غرفة استجواب أنستْه نوعه: ذكراً أم أنثى!ّ تاريخ ينشغل بأسوار الكبار، وينسى الأسوار التي تكتظ بها أمة من الأحرار والكبار. تاريخ ينشغل بنوع البلاط وزوايا اللهو، فيما الأرض تكاد تكون قاعاً صفصفاً. التاريخ الذي يذكر فقط لأن القوَّة مفعَّلة على الأرض، والجبروت يتحكّّم بكل ذرة هواء عابرة أو مقيمة، فيما ينسى كبار الإرادة والشرف والعلم في ذروته. فقط لأنه لايريد أن يتذكر.
لا أخشى على نفسي من مستقبل لم يتضح بعد. ولا أخشى على نفسي من حاضر مازلت فيه حيَّاً، مادمت أشاكس جهاته، وأشكك في المتوهم من ثباته. فقط أخشى من استدعاءات لا تكف عن التحشيد والتكالب لتاريخ لا يسرُّ أحداً. تاريخ يحاول أن يختصرني. يختصركَ. يختصرُكِ. يختصركم. يختصركن في نص. نص لا أحد مسئول عن صوغه وتفاصيله. نص يريد قول مالم أقله، مالم تقله، مالم تفكري في قوله. نص يريد اختزال كل هذا الحراك فيما يريد قوله صاحب القوة والمال والجبروت.
بهكذا تخوُّف، يبدو التاريخ "شبحاً ماثلاً". شبحاً وظيفته إطفاء كل متجسد وماثل. مواراة وتعتيم كل مقيم له في الفعل الذروة من الأثر، والعميق من التأثير. شبحاً وظيفته تعطيل المتحرك. وتحريك العاطل، ضمن شروط تخدم السياقات التي يرتضيها وينتخبها ويصر على مثولها وحضورها.

بحر لجي من توهّم أن الشعر يصنع معرفة


إنتاج الشعر وحده أو حتى قراءته بعيداً عن الألوان الأدبية والمعرفية الأخرى، لا يتيح إحاطة شاملة ودقيقة ومنطقية بطبيعة وحقيقة وعمق الأشياء والظواهر والعالم وما يحيط به وينتسب إليه. الشعر رافد لتلك الإحاطة ولكنه ليس الوحيد. والذين يصرّون على أن الشعر هو بداية ونهاية المعرفة غارقون في بحر لجيّ من الوهم.
ثمة حقائق لا حصر لها تشير من دون مواربة إلى أن الأمم المبرزة شعراً منذ فجر التاريخ لم تُحدِث أثراً أو إضافة معرفية ذات قفزات أسهمت في تغيير نمط الحياة وإيقاعها، ومن ثم الارتقاء بها إلى درجات تبعث على الإدهاش.
العرب في جاهليتهم لم يصنعوا معرفة بالشعر الذي أنتجوه، على رغم ذروته البلاغية، ولكنهم صنعوا تلك المعرفة وأضافوا إليها حين انفتحوا على معارف وعلوم وفنون وصناعات كان الآخر وقتها مبرزاً فيها، وضالعاً في الدقيق والملفت منها.
العرب اليوم يتكئون في انحطاطهم وهزائمهم وتراجعهم على ذاكرة شعرية لن تخلّصهم مما هم فيه، ولن تقفز بهم قيد شبر من مراوحتهم وثباتهم إلى حال من التحرّك والتحوّل. الإحاطة بالمعرفة ضمن عنوانها الشامل ومضمونها العميق هي التي تتيح لأي أمة خلاصها من حال الانقياد إلى حال القيادة والصدارة، ومن حال التبعية إلى حال التأثير، ومن حال الاستقبال إلى حال حال الإرسال، ومن حال الفرجة إلى حال صناعة المشهد والتأثير فيه.
لا يستوي الخبيث والطيب
في الشعر هناك من يساوي بين الخبيث والطيب، بمعنى انه يُوقف جزءاً من شعره لمدح الكبار والأصفياء من الخلق، والذين نذروا أنفسهم لتغيير المسار العام للبشر من درجة الحضيض إلى الذروة، في الوقت نفسه يوقف الجزء الآخر من ذلك الشعر لزوم كماليات – أحياناً – يفتقدها في حياته، لتكتشف انه ليس بلا مأوى، ولا من دون مصدر رزق، أو أنه يسعى على قدميه لبلوغ مقر عمله، هو فقط يريد أن يسكت جوعاً ونهماً فائضاً في النفس، من المبتذل والرخيص من العابر والمؤقت والزائل.
هل نتحدث هنا عن مُثُل كبرى، أم عن الضروري من تلك المُثُل؟ لجوء بعض الشعراء إلى الدنئ من الطرق والأساليب لإشباع ذلك النهم يكشف عن سقوط ظاهر وباطن، وابتذال فاضح، واستعداد مباشر لبيع الأخضر واليابس من تلك الروح في سبيل النقيض منها: في سبيل ما يشير ويؤكد موتها وإن أمعنت في مكابرتها.
المشهد المغيّب
ملحق "ريضان" لا يسعى إلى منافسة أحد، اذ ليس ذلك هدفنا الأول. الملحق يسعى إلى تقديم صورة ومشهد واقعي لثقافتنا المهملة والمهمّشة والمسطّحة، كما يسعى إلى رد الاعتبار إلى المُهملين والمُهمّشين في تلك الصورة والمشهد، وهو دور تصدّينا له قبل صدور الملحق بشهور طويلة. مثل ذلك الدور ظل غائباً طوال سنوات لدى معظم الصفحات المعنيّة بالشعر الشعبي، والثقافة الشعبية، وملحق "ريضان" جاء ليؤكد ويعمّق ذلك الدور ويلحّ عليه. هل في ذلك أدنى شبهة بنبل الهدف، وشرف القصد؟ كثيرون من المرضى يرون الأمر كذلك، ما يشكف عن خواء في النبل لديهم، وفقر في شرف القصد.
صناعة تزوير الواقع
لماذا تتحسس هذه الساحة حين نضع إصبعنا على الجرح وعلى العين المصابة بالرمد، خصوصا حين نشير الى انها تتكئ على 10 شعراء فقط؟ ... عشرة أسماء... عشرة كواكب تضئ المدى الذي تتحرك فيه، فيما الجانب الآخر من المدى مظلم ومعتم.
لا تقاس درجة فاعلية وحراك أي ساحة بعدد الشعراء، ذلك أمر نعرفه جيداً، ولا نحتاج إلى فقراء ذاكرة كي يذكّروننا به، لكن ما يثير الحنق والغيظ أن الساحة نفسها – وخصوصاً المصابين بهوس الحضور، الحضور المدفوع أجره سلفاً – لا ترى للعشرة أي دور وتأثير يذكر، بل ترى فيهم عائقاً، ومصدر تشويش، ومنبع قلق وإزعاج لاستقرارها الموهوم، وتماسكها الكاذب. ما الذي يمكنك فعله إزاء تزوير تتم صناعته في التعاطي مع واقع وحقيقة هذه الساحة؟ تحاول فقط أن تهتك الحُجُب المتوالية في طريق كشفك وتعريتك لحقيقتها، على رغم المصدّات التي تحاول بعض الأطراف زرعها في طريقك للحيلولة دون توصّلك إلى الظاهر والمكشوف من تلك الممارسة، عدا عن المحجوب والمُغيّب والمُتستر عليه.
المتوالية الغبيّة
أي متوالية تلك التي تريد الساحة أن نخضع لها؟ متوالية القوائم التي تُرسل عبر أجهزة الناسوخ (الفاكس) للموالين في كل شئ، بدءا بموالاة قانون المطبوعات والنشر، والتجمعات، وإدخال حواس المواطن وخياره في أن ينجب أو لا ينجب ضمن الملكية العامة للدولة، بحيث يصبح لها الحق في التقنين بالشكل والصورة اللتين تضمن من خلالهما عدم رفع المواطن لصوته حتى في حال تلقى نبأ وفاة أقرب القريبين إليه!.
أي متوالية تلك التي تصطفي الشعراء بحسب هبوط مؤشر الحس لديهم، وبحسب انخفاض معدل الخيارات، وبحسب تلاشي الإرادة؟.
أي متوالية تلك التي تحيل الشاعر/ الإنسان في أسمى صوره، ونبل مواقفه، وشرف صنيعه، إلى نسخة مصغّرة من قمامة لن تلتفت إليها حتى دوريات كسولة تابعة للبلديات؟.
أي متوالية تلك التي يراد للشاعر أن يقبل بشروطها، ويخضع لمواصفاتها وإن أدى ذلك الى إخراجه من تصنيف البشر، وإدخاله عنوة إلى عالم هو أدنى درجة من عالم الحيوان والأشياء؟.
أي متوالية تلك التي ترى في العشرة المبشّرين بجحيم الشعر، ولظى المعرفة، كائنات خارج السياق والتصنيف وبالتالي عليهم الخضوع إلى سياق وتصنيف تلك المتوالية؟.
ثم أي متوالية تلك التي تبشرنا وتعدنا – وهماً – بجنّة عرضها إسكات صراخ المعدة والشهوة، وإحياء دور المؤقت والزائل والعابر، لنكتشف أننا نصنع موتنا اليومي بمثل ذلك الخضوع؟.
استدراج
المدح في الشعر – في كثير منه – كذب محض... استدراج إلى نعمة، وفخ إلى تحقيق مصلحة. هل نسمّيه شعراً؟ لا أعتقد ذلك، لأنه خالٍ من الحس، والشعر في العميق من الإحساس، والصدق، أو هكذا من المفترض به أن يكون.
التفكير بالمعدة
لماذا يفكّر بعض الشعراء بمعداتهم بدل عقولهم؟ ألهذا هم متورطون بما ينتج عن المؤقت؟ ما تحويه المعدة مؤقت، وما يحويه العقل من المفترض به أن يكون متحركاً ومتحوّلاً وفي تراكم مستمر. ألا يسئ أولئك إلى قيمة العقل؟.
تصنيف
هل يحق لنا أن نضمّن ذلك الصنف من الهزّاجين قائمة الشعراء؟ إلا إذا أدخلنا متعهدي حفلات المجون ضمن الأولياء!. لا مشكلة لديّ مع الهزّاجين والبهاليل. مشكلتي مع ذلك التسويق الرخيص لحضورهم الذي يذكّر بالمقابر!.


أكتبْ رسالة إليك!




" لن يخيفني الحديث إليك من بعيد أيها الشاب الوسيم، على الرغم من عشرات السنين التي تفصل بيننا، وتوحي إليك، أو تكاد، بأن الذي كنته في عمرك قد ذهب كله مني. صدّقني إذا شئت. إن الشاب ابن الخامسة والسبعين ونيّف ما زال يعيش في أحلامك بكل تفاصيلها. هل يزعجك ذلك؟ بل إني لأزعم أنه يفرحك ويثلج صدرك".
كان ذلك مقطعا من رسالة كتبها كريم مروّة، الى شاب اسمه كريم مروّة... رسالة إليه ضمن صفحة ثابتة في الغلاف الأخير لصحيفة "زوايا" الثقافية، تستقطب فيها شخصيات تمارس استدعاء الزمان والمكان والهيئة والروح والإنفعال والآمال والآلام، في شكل رسائل توجهها تلك الشخصيات الى حاضرها الماثل والقائم، وأزعم أنها واحدة من المساحات المبتكرة وبعمق في الصحافة الثقافية العربية التي تتميز بها "زوايا"- وكل مساحاتها متميزة وملفتة، وتدفعك بحب لقراءتها، واحترام الجهد المبذول فيها، إن على مستوى المضمون أو الشكل.
أن يتمثل الإنسان مرحلة مبكرة من عمره ضمن حدود التخيّل/ الذاكرة، فذلك أمر لم يسْهُ أو يغفل عنه أحد بحكم أن التقدم في العمر يدفع بشحنات من الحنين الى العودة الى المبكّر منه ،أملا في تحقيق ما لم يتحقق من أحلام، أو ربما لتصحيح أخطاء، أو استغلال فُرص لم يبال بها، ولكنّ ذلك التمثل وتنشيط فعل الذاكرة وإدخالها في مساحة النص المكتوب، يمنحها روحا وقيمة يمتد أثرهما الى العام من ذلك التمثل الذي يُدخل تحت مظلته اقران وأتراب التجربة.
ولا شك أن أجمل الذين يمكنهم ضخ أكبر قدر من العفوية والصدق في هكذا تجربة من التمثل، هم الضالعون في نعمة أو ورطة السرد، ولكنّ ذلك لا يمنع أحدكم من تجربة كتابة رسالة الى نفسه.

الأربعاء، 14 يناير 2009

نجومية مدّعاة، وإجهاز على الضوء

أفق يكاد يضيق بالملاحظة والنقد… النقد الهادف الى التنبيه الى الهاويات التي تكاد تكون كامنة في كل منعطف وطريق. والكتابة بمعزل عن رصد النقد وعينه، محض فوضى وتشكّلٌ يذهب في عبثيته وتيهه اللانهائي. وكل ساحة تنام على أحلامها، مطمئنة الى إنجازها، ومصابة بداء (أناها)، لن يكون في وسعها أن تتجاوز البياض الذي تخربه وتلطخه مع كل وهم نص.
كثير من شعراء هذه الساحة، (تجار خردة)، ينام الذباب على بضائعهم، فهم يستجدون التنابلة والمعوزين كي يخرجوهم من كابوس كسادهم.
أحدهم مصاب بداء النجومية، فيما هو كفيل بإطفاء حتى أنوار سيارات الإسعاف والمطافئ! ، يزبد ويرعد في فراغات تشبهه، وعلى توافق مع امكاناته المدعاة، وقمين بذلك الشويعر أن يلوذ بركن قصي معتكفا بصمته، وسيشهد له حتى أعداؤه بأنه أنجز أروع نصوصه على الإطلاق!.
نبدو قساة على هذه الساحة التي لم يعد يجدي معها نفعا أي لون من ألوان المجاملات الرخيصة والمكلفة، فيما لن يسلم أحدنا من قناصين عاطلين عن العمل يترصدون أنفاسنا كلما أردنا خيرا بهذه الساحة وبرجالاتها الأسوياء والشرفاء والمبدعين، أما الطبّالون وموظفو العلاقات العامة ومدمنو المديح الكاذب نظير رصيد ذاوٍ، فلا يعنينا من أمرهم شيئا، لأنهم خارج المعادلة، ولا أثر لهم في التافه من الحراك في هذه الساحة، عدا عن العميق والحقيقي من ذلك الحراك.
بعضهم لا يتردد – في وقاحة بالغة – في التدخل في صميم مهماتك وعملك الذي قضيت فيه نصف عمرك، ليحتج على الحيز الذي حددته لكتابته، سواء كانت مقالا أو نصا، وأكاد أجزم مع أيْمان غليظة، أن الساحة الشعرية البحرينية تكاد تكون هي الوحيدة بين الساحات الشعرية في الخليج التي طغت على سطحها تلك الظاهرة المَرَضيَّة، بحيث يمكن تأليب عدد من الشعراء في تحالفات مشبوهة ومدبرة بليل ضد محرر أو جهات ارتأت وقدّرت أن مقالا أو نصا مكانه في الصفحة لا يستحق أن يتجاوز منتصفها أو أسفلها، تبعا لأهميته وابتكار فكرته وجديد مضمونه، ما يفتح النار والمؤامرات والغِيبة والدسائس ضد تلك الجهات الى أجل غير مسمى، في الوقت الذي لا يملك صاحب المقال أو النص، أدنى تجربة أو خبرة في هذا المجال – المجال الصحافي – أو فيما يتعلق بأولوية أو تقسيم الصفحة وموادها وتخطيطها من حيث حجم المساهمة، وأهميتها وتميزها، عدا عن حضورها، وتلك عوامل لا يختلف في التعاطي مع ترتيبها أي من زملاء المهنة، فيما تلك النماذج على استعداد ومن دون تردد لأن تجهر بأمر التأليب عليك لمغادرة موقعك، لتحل محلك، وهي لا تجيد قراءة لوحات النيون التي تمتلئ بها مطاعم المدن الكبرى!.
يبقى القول أن عددا من الأسماء في هذه الساحة بحاجة الى اخضاع لتحليل نفسي وعصبي من قبل متخصصين في هذا المجال، بحضور عدد من المعنيين والمتخصصين في هذه الساحة، فعلَّ ذلك يسهم بشكل أو آخر في وضع حد لحالات الانهيار العصبي والأخلاقي التي تنتاب عددا ممن ينتسبون زورا وبهتانا الى هذه الساحة.

كمن يترك ضوءه في البيت



كمن يهندس للوردة ترابا وفضاء لائقين بها ... كمن يستيقظ فجرا ليقرأ على الناس في نومهم نص أول الوقت... كمن يرسم بيتا فيما هو لا يملك مترا من ملاذ...كمن يترك جسده في مهب الأوبئة، ويحرص في الآن ذاته على جمع ملصقات التحذير الطبي... كمن يسأل سيدا كيف حظي بكل نصوص السؤدد... كمن يلقي عن كاهله كوابيس متربصة به... كمن يبرر للهشيم مواصلة سحر المحْو ... كمن ينذر دمه للمواجهات الخاسرة... كمن أغوته نسوة يعانين ضمورا في الملامح... كمن يشطر أيامه ليحظى بوقت اضافي... كمن يرى في الشرر تهجئة لدرس الطاقة... كمن يترك ضوءه في البيت ليذهب في درس الارتطام... كمن بيته بلا نوافذ محاكاة لاختبار القبر... كمن يصمت فيما دويّه حديث الجهة الأخرى من العالم... كمن يتبادل الأنخاب مع مخلوقات لا تُرى... كمن هو في الهباء من المسافة متوهما الوصول... كمن يترك أصدقاءه عرضة للشكوك وهو يدوّن قائمة بأسماء أعدائه...كمنجم يضيف الى كنوزه أجسادا عربدت في رؤوسها الفتنة... كمن هو منهك بالسفر وهو لمّا يبرح عتبة داره... كمن يبصر في العتمة السميكة... كمن يشهر هداه بنار سجّرها للضّالين... كندى تمتنّ له الوردة حتى مطلع القطف... كمؤرخ يمسك بالمستقبل وهو يرصد الغابر من الوقت. هكذا أبدأ صباح النص!.

أضف الى البحر بحرا




أي المواعيد تبقى؟
لست أذكرها إلا التي
كنت تغويها فتمتثلُ...
أيُّ الخطى ... السرْو؟
والنعناع ما انكسرتْ فيه المياه
وماءٌ فيك يشتعلُ...
أضفْ إلى البحر بحرا
كنت تحسبه سجّادة الريح
ما صلّى عليك سوى
هذا الفضاء
ومن سجّادة الريح
هذا الكون يُخْتزلُ...
أطلقْ مداكَ ودعْ بابين:
باب عبور لي لأوصده
في وجه حزني
وبابا لي سأرفعه
في زمهرير شتات
ريثما تصلُ...
لوّحتُ بالحزن
بالكاسات أتركها مصابة بي
ووحدي من يرى امرأة
في الياسمين
على بابين كنْتُهُما يوما
فأيُّ الكأس تشربني لو انكسرت
وأي الحزن يُحْتَمَلُ؟؟؟.
هذا الهواء ثقيلٌ
كلما ارتفعت روحي الى الله
أعضائي مسمّرةٌ على الطريق اليه
ليتني أصلُ ...
الليل يصعد بي
نحو الممر ولا
ضوءٌ يعلمني بحر النشيد
ولا حضنٌ ولا قُبَلُ...

أسرّةُ الماء... حافلاتُه!



[ في الإصدار الجديد "السفن العربية" الصادر عن "الوراقون" التي يديرها الزميلان الرائعان، محمد بوحسن، وميساء الأنصاري، نقف على حلقة من سلسلة ممعنة في اختلافها ورصدها. عينان لهما صفة الرؤيا قبل الرؤية. عينان مضمّختان بضوء الروح ونهاراته المفتوحة على الجهات والمهن والصنائع. عينان ألفتا هذا الإشتغال المضني على يسْر الحياة ورفاهيتها معاً وإن لم يطل أصحابها شئ من ذلك اليسر والرفاهية.

خرائط الماء
في شهوة الطرْق... ثمة سبيل من ماء ستعبره تلك التي مَجُلَتْ أيدي الرجال في سبيل أن تأخذ طريقها إلى الماء.
ثمة خديعة في الذروة من البهاء تمارسها العدسة في التقاطها الشاعر ... الحساس، من خلال تورّطها في تفاصيل غاية في الدقة والحرج ربما. لماذا الحرج؟ ثمة بشر يصنعون أسرّةً تمخر الماء، ويراهنون في الوقت نفسه على سلامةٍ في حكم الغيب. سلامة لا يملكون الأدنى من تفاصيل يقينها.
هذه صنعة تتحدّى الغدر الناعم. تنشغل بالتفاصيل. تكاد تتيقن أنها لم تترك صغيرة ولا كبيرة إلا أحصتها في موضوع تسلّل/ تلصّص الماء في اللجّ. في هندسة من معرفة وعفوية في الوقت نفسه، يتسلّح القلاف بـ "خرائط الماء" و "خرائط الإنفعال" و"خرائط اللجّة" تمنحه القدرة على حفظ تلك التفاصيل عن ظهر قلب. لأنه بالحفظ ذاك يدشن خديعته في مقابل: خديعة الماء، الإنفعال، واللج!.

نوايا الماء
لكأنَّ الأشرعة البيضاء أكفان تواجه "المحتمل والغامض" من نوايا الماء... لكأنها راية مهادنة أمام الريح... وأحياناً كأنها رماح غامضة تتكئ على الصواري السمراء الشبيهة بسواعد الرجال الذهبين إلى غموض ممعن في ثقته.
الأيدي المزدحمة بالأخاديد (أخاديد الممارسة والسهر) تحيلك إلى "ألف باء" العناء الذي لا يلتمس مخرجاً من فاقته أو "ورطته" بقدر ما يلتمس طريقاً يقيه صدمة الفشل. أن يظل ساهراً على انشغاله بالدرس: درس الطرْق، وسد منافذ التلصّص. تلصّص الماء على بشر أسلموا أرواحهم لربّان ضالع في غموض الجهات ومناوراتها، كما هو ضالع في يقين يحدث أحياناً أن يسلمك على المهالك!.

الأرواح المعلّقة
ماذا يعني أن ينزع المرء إلى الخروج على نظام "اليابسة" والدخول في عضوية "الماء". لكل منهما شرطه الحيوي. لكل منهما شرطه ومفاتيح ولوجه وخروجه. الطمأنينة في اللب، إن لم تكن في اللج من الممارسة. لا يتذكر الصانع وهو يحقن الخشب بالقطن والمسامير سوى أرواح معلّقة بين حضوره وغيابه... ذاكرته وسهوه. أي طرْقٍ خارجٍ على المألوف يعني قذفاً بالأرواح في الجحيم المفتوح على المجهول والوحوش وطوفان الملح!.

تحسّس فرائص الجهات
لم تدرْ البوصلة في خُلْد منشئ "سرير الماء وحافلته"... كل الجهات لديه تفضي إلى اليقين من الوصول... إلى اليقين من الموانئ... إلى اليقين من التلويح عن بعد. لا مكان للبوصلة في مخيلة فتية آمنوا بمجازفاتهم فزادتهم هدى. هدى المضيّ إلى حيث اللامكان واللاجهة واللاتلويح لأحد. لكن ثمة من يضع هذا المسبار الدقيق لتحسس فرائص الجهات وأنوائها، سعياً وراء تخليص ذمته من ضلال المكان... ضلال وهشاشة اليقين ... طود من ماء يباغتك كلما استشعرتْ الطبيعة حاجة ما لنفث قلقها وعدم استوائها ورضاها عن الهامد والمتخثر والسكن.

حرَس المخيّلة
للسفن حرس في مخيّلة أصحابها ... حرس من بيان، أو حرس من أدلاّء. دروب هائجة مائجة. حرس تستعيذ من شيطان البحر وسطوته وغدره، وعلى أقل تقدير: مزاجه المتقلّب. البحر مريض بأنوائه. من يجرؤ على إدخال البحر في محجر نفسي؟ المعادلة تقول خلاف ذلك. يظل البحر متفوّقاً على مستوى المعادلة في مستويي الزمن والمتاريس الحادة الرهيفة والمسنّنة بنعومة خادعة، إذ تحيل الصروح قاعاً صفصفاً.

هندسة "الكمان/المكان"
كأنه ينزّه نفسه بعزف يذهب عميقاً في أواصر الخشب. بين اجتراح اللحن بسحب عصا الكمان جيئة وذهاباً ضمن "دوزنة" لها معادلتها الرياضية، يذهب "المجدح" أو "المثقب" باتجاه دوزنة من نوع آخر. دوزنة البحث عن مأوى يقيم أواصر بين المسمار الصلف والخشب المستسلم للهيئة التي يراد له أن يكون عليها. كمان/ مجدح حادّ بحدّة أخاديد اليد التي تسيّره كي يصيّر الهيكل المهيّأ لمواجهة العصف.

استجواب الفنان



للفيلسوف الفرنسي سارتر كلمة:" الفنان إنسان مشبوه، يستطيع أي كائن استجوابه". استجواب الفنان يكمن أولا وأخيرا في نصه، قبل أن يكون استجوابا يطال الحدود الخارجة عن ذلك النص. وهو استجواب يتحرى استنطاق المُغْفل والمنسي والمسكوت عنه، استجواب يتحرى ربما الإفاضة، والتوغل في مساحات لم يتجرأ الكاتب على الخوض فيها بصورة مباشرة، لأكثر من اعتبار.
لا شك أن سارتر لم يضع ذهنية وتفكير وواقع العرب السياسي والأمني في حسبانه، بحكم أن مفهومه وتوصيفه وتحديده للإستجواب يظل يتركز ضمن مساحة جغرافية تضع للإنسان اعتباره من حيث الحقوق والواجبات، ومن حيث تأثيرهما البالغ.
تتضح دلالات الإستجواب والإستنطاق، المغفل والمنسي والمسكوت عنه في أنه مصادر عربيا، حق الوقوف على تفاصيل تبدو ضمن المساحة الخاصة والحميمة التي لا يحق لأي كائن أن يقترب منها أو أن يمسسها، يتصل بما يبدو أنه هامش، هو في نهاية الأمر يشكل ذهنية وتفكير ومشروع أي كاتب له حضوره وتأثيره في الحياة العامة.
استجواب الفنان – أي فنان – استجواب لجانب من وصفة وسر تفرّده، استجواب لجانب ذهابه العميق والمغاير في المواقف والنظر والرؤية لأمور تبدو – احيانا – من سقط المتاع، وأحيانا من الإسراف على النفس والوقت، فيما هو يعمل من دون وضع أي اعتبار لهواجس جمعية تترصد له وتضعه في خانة المساءلة، وربما التشكيك بجدوى وجوده.
ثمة مفارقة لا يمكن المرور عليها من دون تسجيل ملاحظات، ربما تبدو مكررة ولكنها تظل مرتبطة بموضوعة الإستجواب.
الإستجواب - أمنيا – وعلى المستوى العربي يذهب ويحرص على تفصيلات مضحكة ترتبط بالإنتماء والحزب والتنظيم والنوايا والأهداف. في نهاية الأمر ينطلق من نوايا مسبّقة، محصلتها النهائية، نوايا التخريب والإنقلاب والنسف وإشاعة حال من الفوضى، فيما الإستجواب الذي يرمي اليه سارتر يرمي الى حوار مع الذات، ومع الآخر، حوار في فضاء لم يقدّر له أن يتم في ظل مشروع أدبي أو ابداعي. يريد له أن يكون استجوابا خارج مظلة النص، استجوابا مفتوحا على الآخر، المهمّش، المركون، والمهمل.

أسبوع للنكتة


جلّ المهرجانات تبعث على السأم أو النوم أو الخروج على اللياقة، خصوصا المهرجانات التي تكثر فيها الخطب المملّة التي تدفع "أكبر شنب للمناضلين" للإنتحار بالتخلص منه من دون عرض مغرٍ للقيام بذلك كما حصل للرئيس البولندي السابق فاليسا.ومع أوضاعنا العربية التي لا تبعث على الحسد، صار لزاما التفكير بل المبادرة في قيام أسبوع للنكتة. وأعلم مقدما ان الإخوة في مصر سيكون لهم نصيب الأسد في الأسبوع لما يتمتعون به من "خفّة دم وحضور بديهة" ، الا ان الحاجة لمثل ذلك المهرجان اصبح ملحّا في ظل مرحلة انعدمت فيها الإبتسامة واللون.
سئمنا من شعراء يتغزلون في حبيبة مع أول مقطع، ليحولوا التغزل الى مناحة بحجم مذبحة، سئمنا تنظيرات مثقفين بلغوا حدا من اليأس لا يقل عن نساء يمررن بسن اليأس!، سئمنا سياسيين فقدوا مناصبهم فتخصصوا في هجاء الأنظمة التي جعلت منهم سياسيين، فيما كانوا قبلها فيهم من الوداعة والدماثة ما يدفعهم أحيانا لطرْق ابواب عرباتهم قبل أن يستقلوها!، سئمنا حناجر تفح بالجنس والميوعة وسقْط المتاع من الكلام والثرثرة، سئمنا من بعض نواب الشعب الذين هم على استعداد لتحويل كل أفراد الشعب الى رجال أعمال، فيما هم بعد وصولهم الى المجلس يمعنون في تحويل رجال الأعمال الى عمال بالمياومة!
قيام أسبوع عربي للنكتة ربما يمتص أو يخفف حالا من التشنج ومواسم استئصال اللوز والتهاب الحناجر. ارحمونا من رغاء بعض الساسة، وخوار بعض النواب، ونعيب بعص المصلحين، وثغاء بعض أنصاف المثقفين. ألا تستحق هذه الأمة المجلودة صباح مساء أسبوع رفاهية للنفس بعد عقود من الجلْد والسحْل والإستغفال؟ ألا تستحق أن تستشعر بعضا من الضوء بعد عقود من الإرتهان الى الأنفاق؟.

أدونيس وسهم ابن رشد


لماذا يصر أدونيس على أن ابن رشد "أخذ السهم الأرسطي، ورماه في قلب التراث الديني – الفكري العربي الإسلامي؟". هل يحتاج ابن رشد الى تلك الأداة الوصولية الفجة؟، هل ابن رشد بتلك السذاجة والفراغ والتبعية العمياء، بحيث لا يجد إلا السهم الأرسطي في اشتغاله على المشروع الفكري والفلسفي والديني، من ثم رميه في قلب معادلات فكرية – دينية، اشتغل عليها ؟.
قراءة ابن رشد للتراث الفكري والديني لا تعني بالضرورة إسقاط "السهم الأرسطي " بشكل اطلاقي ،- في محاولاته الجريئة - على الإعتوار والخلل الذي ينتاب المجتمعات الإسلامية وقتها من دون حال من الفرز. ولنكن أكثر وضوحا: يحاول أدونيس أن يختبر توجهاته، وبراءة ذمته، بالإشتغالات التي قام بإسقاطها على التراث العربي والإسلامي، مع التأكيد بأن المجتمعات العربية والإسلامية لم تكن بتلك الدرجة من الإنتباه والرفاهية في تحقق مشروعاتها الفكرية والسياسية والإقتصادية والوجودية عموما، بمعنى آخر، يحاول أدونيس أن يبرء ذمته تلك بشاهد تاريخي ينسب اليه "رمي سهم " في قلب التراث الديني – الفكري الذي ينتمي اليه، وهو سهم "أرسطي" ، ويريد له أن يكون مقاربا للسهام التي رماها أدونيس في قلب وبنية التراث الديني – الفكري العربي والإسلامي.
المشروع الفكري الذي أنتجه ابن رشد، يتيح له فضاء يتجاوز به اللجوء الى سهم مسخّر يرمي به خلل ورخاوة جانب من التراث الديني والفكري. أدونيس يصر على أنه " يجب أن يفعّل المفكرون العرب – الإنقلاب المعرفي – " من خلال رمي سهم الإنقلاب في قلب التراث، لكن رمي ذلك السهم من دون حال من الفرز، يضع أدونيس نفسه في خانة التحريض التصفوي الإرتجالي لذلك التراث.

أدونيس و " تمثال المسيح المحجّب





في " كونشيرتو المسيح المحجب " ، الذي أهداه أدونيس الى فرانتشيسكا كوراو، تكتشف نصا بعد نص أن أدونيس كائن مسكون بإحراج اللغة ... تلك التي ظلت وستبقى لقرون تستدرج ملايين من المهووسين بها اكتشافا واقتناصا وتوظيفا دون أن تنفد، فيما هم ينفدون واحد تلو الآخر يذهبون باتجاه التوحد مع التراب، حيث الصمت موهبتهم الأخيرة والوحيدة.
بعد زيارة لنابولي في العام 2002 يكتب من برلين هواجس المدينة قبل هواجسه هو، بما فيها هواجس تمثال " المسيح المحجب " لـ " سامّارتينو"، هواجس ساحة بلّيني، كنيسة سان دومينيكو وساحتها،كنيسة النيل وتمثاله .
أقول بلغة تحرج اللغة ذاتها يكتب أدونيس مستنطقا مدينة نابولي ، بل ومؤنسناً لها، الطرق والتاريخ والذات و البلاطة الرمادية والتعريج على المنفى في ظل حفاوة المكان به وحفاوته بالمكان ... " تذكرت المعري وغبار الوجود وقلت ربما علي أن أصغي اليه وأن " أخفف الوطء " ترى هل يجئ الغبار الذي يغطي تلك البلاطة الرمادية على عتبة هذه الكنيسة من جسد الأكويني أو من جسد جيوتو؟ أهي يد الغبار التي تلامس كتفي؟ وهواء هذا الزمان من أي غبار يجئ؟.
لا يدع الفضاء على حاله ... يستدعي فضاءه المشرقي حين يرمق بمخيلته إحدى الأشجار النابتة في فضاء من الإسمنت ، وحتى الطرق يُنبت لها أجنحة بحيث تحلق في مدى لا تطاله حتى الأسطورة!
" لكن الطرق تطير تحت شمس بدأت تحل جدائلها الطويلة فوق شرفات تمد أيديها للأفق مليئة بالورد، وكانت الألوان في الأزقة الباذخة أخذت تميل إلى الإنزواء لكي تحسن تذكر الوجوه القديمة ، اليونانية،والرومانية، ووقع الخطوات... ( بوكاتشيو، بتراركا،توما الأكويني، جيوتو،سامارتينو)... الخطوات على البلاط نفسه الذي عشقته قدماي ( كل شئ تغير الا هذا البلاط).
يعمل على" شعرنة " حتى مقص الأظافر حين يتحول الى مدخل لاختطاف طائرة هناك ، في الغرب المتحول والمرتد على عقبيه بعد حوادث 11 سبتمبر/أيلول ... بل يكفي أن تكون مشرقيا لتكون مشروع اختطاف للغرب كل الغرب بكل انجازاته بدءا بنيوتن وهو في قبره وليس انتهاء بمبنى وكالة الإستخبارات المركزية الأميركية!.
مقص للأظافر ... مقص آخر للورق بحجم الإصبع " لن يطير معك الى ميونيخ " قالت الشرطية الإيطالية، كيف رأت فيّ خاطفا أنا الذي ولدت مخطوفا"؟!.
تقرأ له وكأنك في الهزيع الأول من المكان في الذروة من تلك الأجنحة المتناسلة في الأمكنة التي يرتادها راصدا المؤجل والمهمل والمركون هناك في وحشة الزوايا، في الوجوه المتفرجة على هذه الجلجلة التي أحياها فرانتشيسكو بتوليفته الرائعة بين الإيقاع العربي وإيقاعه الإيطالي أو كما يقول أدونيس : بين الكلمة التي تنحدر من فم السماء والكلمة التي تصعد من فم الأرض "!.
تلك الأنامل الباذخة والمفكرة تثير الدهشة بإعادة تجسيد الألم في صورته التي جاءت مستلة من التاريخ والجغرافيا وتراث من الخيانات... الموجة التي انسدلت على جانب من التمثال ... والماء الذي تجسد الى " منديل متجعد " ... أية لغة يمكنها أن لا تشعر بالحرج أمام " عبقرية أنامل " سامارتينو وعبقرية البذخ في اللغة التي يفاجأ بها أدونيس المدن والأمكنة التي جاءها كاشفا ومكتشفا للغامض؟ ليتركنا في مهب قراءته وكتابته التي لا تشبه أية كتابة!.

الثقافة وأفق الغياب



ثمة متسعٌ لأفق إضافي، أفقٍ يجد فيه الإنسان العربي سلامته الغابرة وعافيته التليدة.
في الراهن العربي، ثمة أكثر من صفة وشاهد على الغياب ... الغياب الذي يكاد لا يكتفي بالإحتفاظ بأفقه، بل يذهب بعيدا نحو تسويره بشتى الموانع، والحيلولة دون أن يطأ أحد مركزه الحصين.
من هنا فقط يمكننا فهم لماذا لم تستطع الثقافة والفكر العربيان تحصين الوجود الراهن؟ وبالتالي لم يستطيعا اختراق أو فتح كُوّة في أفق الغياب المسوّر بالموانع.
فقط لأنها ثقافة تتحرك في أفق من الموانع والتابوهات، ومثل ذلك التحرّك لا يعدو كونه تحركَ سجين في حبس انفرادي بالكاد يتسع لخطوته الأولى، ليصبح – مع مرور الوقت – مثل ذلك المجال "الحيوي" – بالنسبه اليه – بمثابة الأفق الراهن والوحيد!.
ثقافة تحيلك على ما ابتدأ منه الآخر، باعتباره ذروتها ونهايتها، لا يمكن إلا أن تظل في حال تنفس لهواء مستعمل ومستهلك!.
وكأننا أمام حال من تأبيد "بقاء الحال على ما هو عليه"، بل ويتجاوز الأمر تلك الحال الممعنة في "خزيها" الى حال من القدرة على "التفنن" في التراجعات ، وبصورة ملفتة!.
وفي الحديث عن الأفق الإضافي، تتبدّى الحاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى، الى العمل على ترسيخ وتأكيد ضرورة فكر المراجعة، وإتاحة الحق الطبيعي – من دون اشتراطات أو ابتزاز – لـ "النخبة المُغيّبة" ، لا "النخبة التي تنعم عليها السلطة بشئ من هامش سلطتها"، لممارسة حقها الطبيعي في رفد مؤسسات المجتمع المدني بطاقة تحركها، وريادة مبادراتها، وعمق تناولها لإشكالات الأمة.
كأنه " ورد أقل" مما يجب، ذلك الأفق الذي لهج به الشاعر الفلسطيني محمود درويش في مجموعته الشهيرة، بسبب أن الهشيم يكاد يُشكّل المشهدَ الراهنَ، يُشكّل مُرُوجَه الناريّةَ، وأفقَه المدبّبَ،و سبلَه المتوارية خلف الكمائن والشراك.