في " كونشيرتو المسيح المحجب " ، الذي أهداه أدونيس الى فرانتشيسكا كوراو، تكتشف نصا بعد نص أن أدونيس كائن مسكون بإحراج اللغة ... تلك التي ظلت وستبقى لقرون تستدرج ملايين من المهووسين بها اكتشافا واقتناصا وتوظيفا دون أن تنفد، فيما هم ينفدون واحد تلو الآخر يذهبون باتجاه التوحد مع التراب، حيث الصمت موهبتهم الأخيرة والوحيدة.
بعد زيارة لنابولي في العام 2002 يكتب من برلين هواجس المدينة قبل هواجسه هو، بما فيها هواجس تمثال " المسيح المحجب " لـ " سامّارتينو"، هواجس ساحة بلّيني، كنيسة سان دومينيكو وساحتها،كنيسة النيل وتمثاله .
أقول بلغة تحرج اللغة ذاتها يكتب أدونيس مستنطقا مدينة نابولي ، بل ومؤنسناً لها، الطرق والتاريخ والذات و البلاطة الرمادية والتعريج على المنفى في ظل حفاوة المكان به وحفاوته بالمكان ... " تذكرت المعري وغبار الوجود وقلت ربما علي أن أصغي اليه وأن " أخفف الوطء " ترى هل يجئ الغبار الذي يغطي تلك البلاطة الرمادية على عتبة هذه الكنيسة من جسد الأكويني أو من جسد جيوتو؟ أهي يد الغبار التي تلامس كتفي؟ وهواء هذا الزمان من أي غبار يجئ؟.
لا يدع الفضاء على حاله ... يستدعي فضاءه المشرقي حين يرمق بمخيلته إحدى الأشجار النابتة في فضاء من الإسمنت ، وحتى الطرق يُنبت لها أجنحة بحيث تحلق في مدى لا تطاله حتى الأسطورة!
" لكن الطرق تطير تحت شمس بدأت تحل جدائلها الطويلة فوق شرفات تمد أيديها للأفق مليئة بالورد، وكانت الألوان في الأزقة الباذخة أخذت تميل إلى الإنزواء لكي تحسن تذكر الوجوه القديمة ، اليونانية،والرومانية، ووقع الخطوات... ( بوكاتشيو، بتراركا،توما الأكويني، جيوتو،سامارتينو)... الخطوات على البلاط نفسه الذي عشقته قدماي ( كل شئ تغير الا هذا البلاط).
يعمل على" شعرنة " حتى مقص الأظافر حين يتحول الى مدخل لاختطاف طائرة هناك ، في الغرب المتحول والمرتد على عقبيه بعد حوادث 11 سبتمبر/أيلول ... بل يكفي أن تكون مشرقيا لتكون مشروع اختطاف للغرب كل الغرب بكل انجازاته بدءا بنيوتن وهو في قبره وليس انتهاء بمبنى وكالة الإستخبارات المركزية الأميركية!.
مقص للأظافر ... مقص آخر للورق بحجم الإصبع " لن يطير معك الى ميونيخ " قالت الشرطية الإيطالية، كيف رأت فيّ خاطفا أنا الذي ولدت مخطوفا"؟!.
تقرأ له وكأنك في الهزيع الأول من المكان في الذروة من تلك الأجنحة المتناسلة في الأمكنة التي يرتادها راصدا المؤجل والمهمل والمركون هناك في وحشة الزوايا، في الوجوه المتفرجة على هذه الجلجلة التي أحياها فرانتشيسكو بتوليفته الرائعة بين الإيقاع العربي وإيقاعه الإيطالي أو كما يقول أدونيس : بين الكلمة التي تنحدر من فم السماء والكلمة التي تصعد من فم الأرض "!.
تلك الأنامل الباذخة والمفكرة تثير الدهشة بإعادة تجسيد الألم في صورته التي جاءت مستلة من التاريخ والجغرافيا وتراث من الخيانات... الموجة التي انسدلت على جانب من التمثال ... والماء الذي تجسد الى " منديل متجعد " ... أية لغة يمكنها أن لا تشعر بالحرج أمام " عبقرية أنامل " سامارتينو وعبقرية البذخ في اللغة التي يفاجأ بها أدونيس المدن والأمكنة التي جاءها كاشفا ومكتشفا للغامض؟ ليتركنا في مهب قراءته وكتابته التي لا تشبه أية كتابة!.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق