
تفاجؤك الإمكانات والموهبة الكبيرة التي يتمتع بها الممثل البريطاني أنطوني هوبكنز. منذ عمله الأشهر "صمت الحملان"، أصبح اكتشاف امكانات الرجل ملازماً لاكتشاف القدرة التي تتمتع بها صناعة السينما في تقريب كثير من المفاهيم ومعالجتها بعيداً عن التكرار والسذاجة وإعادة الإنتاج.
في واحد من أفلامه التي لم تحقق نجاحاً كبيرا، مقارنة برائعة "صمت الحملان"، وأعني به (The Edge) أو (الحافة)، يلعب هوبكنز دور بليونير شهير محاط بكل صور البذخ والسلطة والإمكانات، يقرر الخروج في رصحلة صيد بري، بمعية ثلاثة من العاملين معه ، هما أليك بالدوين، و إيلي ماكفرسون. يصل عبر الطائرة الى المنطقة التي سينطلق منها لرحلة الصيد، حيث قاعدة الانطلاق ، منزل (كوخ). في الكوخ تتبدى إمكانات هوبكنز الثقافية والمعرفية من خلال رده على أسئلة الحارس أو الدليل المعني بالمنطقة، معرفة واسعة تتعلق بثقافة وتراث ورموز شعوب تكاد تكون منقرضة. في الصباح الباكر يستقل طائرة أخرى الى حيث المنطقة التي ستدور فيها أحداث الفيلم... تتعرض الطائرة خلال الرحلة الى عطل مفاجئ ما يؤدي الى تحطمها في منطقة نائية قبل بلوغ المكان.
ما لم يلحظه أكثر المشاهدين ، هو الترميز الذي أراد من خلاله كاتب السيناريو والمخرج أن يتركه في ثنايا العمل السينمائي كواحد من المفاتيح المؤدية الى فيهم الحمولات التي يكتنز بها الفيلم. صورة الكتاب/ الدليل الذي يحوي معلومات تمكن الانسان من البقاء وحسن التصرف في حال تعرضه الى انقطاع طارئ عن العالم... هو ذاته الكتاب/الدليل الذي حرص هوبكنز أن يكون مرافقاً له قبيل أن يغادر الكوخ باتجاه منطقة الصيد. لا يتمكن هوبكنز من أخذ الكتاب معه لحظة تحطم الطائرة ، وتسلط الكاميرا عليه في لقطة جد قريبة، في محاولة الى إيصال ما يشبه الكبسولة: ليس كل ما تتعلمه يمكنه أن يخلصك من ورطتك... مواجهة الورطة ضمن لحظتها وساعتها قد يكون كفيلاً بخلاصك.
لا شك أن أكثر مشاهد الفيلم إثارة هي لحظات المواجهة التي تحدث مع دب عملاق، مواجهة تراوحت بين المطارة لهوبكنز، بالدوين ، وماكفرسون يفقد على إثرها ماكفرسون حياته لحال عجز من جهة أصيب بها في تحطم الطائرة، وسقوطه فريسة الدب من جهة أخرى.إلا ان تلك الإثارة كانت تسعى لتمرير مجموعة من القيم التي تبدو مشتركاً إنسانيا لا يختص بأمة من دون غيرها، قيم ترتبط بالمال والقوة والسلطة والخيانة، والجشع واستغلال النفوذ... الخ. ومرورها بحال من العطب أو العجز، بحيث تتحول وفرة المال في مكان وزمن مختلفين الى ضرب من الفاقة والحاجة ( خصوصا مع صور البحث عن الطعام بأي شكل من الأشكال)، والقوة الى ضعف، والسلطة الى استسلام وانقياد، والخيانة في ظل حال من المراجعة والمواجهة الى عودة - وإن جاءت متأخرة – الى الذات. فحتى المعرفة تتحول الى جهل فادح في ظل حال من الصدمة.
يمكن القول أن الثيمة الرئيسية التي يتحرك من خلالها الفيلم وأبطاله تتحدد في السلطة والقوة ، فيما موضوعة المواجهة هي المحك الأول لتحديد وجه ومسار تلك القوة. وثمة أيضا "كبسولة" مشتركة يراد إيصالها الى المشاهد، وهي القواسم المشتركة للصراع بغض النظر عن المكان الذي يدور فيه، ففي الوقت الذي تتحدد فيه أدوات القوة في صراع المدينة من خلال المال والسلطة ، وهما شكل آخر من أشكال القوة ( عضلات المدينة)، تتحدد القوة ( العضلات) والأدوات الأخرى المساعدة كوجه آخر من وجوه القوة ضمن اشتراطات المكان والبيئة.
والخيانة التي تتضح ملامحها، تلك التي مارسها بالدوين مع زوجة هوبكنز، تكاد تكون ملازمة لبيئة تحتكم الى المال والقوة والعلاقات المتداخلة من دون فرز ومن جون معطيات أخلاقية تحدد مساراتها، فيما هي في الغابة على الطرف النقيض، ولا وجود لها اصلاً. بصيغة أخرى ثمة وجهة نظر يريد الفيلم تكريسها أو الإصرار عليها بالقول: إن كثيرا من المعطيات المدنية ما هي إلا صورة معدّلة لصورة الغابة في جانبها الأسود، والخارج على السيطرة، فيما الغابة وبعيدا عن تدخل الإنسان وقوته وسلطته تظل المكان المثالي لمن يريد الاحتكام الى شروطها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق